صوّت الكنيست بالقراءة التمهيدية على الحلّ، وإنهاء دورته التشريعية قبل خمسة أشهر. مُناورة من نتنياهو، ماكرة شكلاً، ولا أثر لها فى المضمون، وقد تتأتى عنها إيجابيات وسلبيات.
انطلق «المجلس التأسيسى» فى فبراير 1949، بعد قرابة سنةٍ من إعلان الدولة. غيّر اسمه للتسمية الحالية بعد يومين، ثمّ حُلَّت نسخته الأُولى فى 1951.
النسخة الآخذة فى الأفول رقمها 25، حصّلها فى سبع وسبعين سنة، ما يعنى أن عُمره أقصر بالرُّبع تقريبًا من المُفتَرَض، أو أن الدولة العبرية تكبرُ وتشيخ أسرع من الطبيعى.
لم تكن الانتخابات المُبكّرة كلها نتاج خطايا وأزمات كبرى؛ إنما يعود أغلبها للمواءمات السياسية، وألاعيب الأحزاب، ومحاولات التحايل على الجمهور والمنافسين.
ونتنياهو من العّيّنة الأخيرة؛ إذ يواجه ضغوطًا داخلية وخارجية مُركّبة، ولديه أطماع، وفى رقبته قيود.
تُلاحقه أمواج الطوفان، ويتفاخر بالوصول إلى أعماق الجمهورية الإسلامية، وأمامه منافسون يحتشدون، وفى ظهره حُلفاء على وشك الانفضاض.
نازىٌّ فاسد، تجمّعت فيه شرور العالم؛ غير أنه ليس عاديًّا، ولا يُمكن تقييم مواقفه باستسهال وتبسيط، ولا الاكتفاء بالظاهر منها عمّا تطمره طبقات كثيفة من النوايا السوداء.
أطول رؤساء الحكومات بقاء فى المنصب، بنحو تسعة عشر عاما على فتراتٍ ثلاثة: افتتحها على جثة رابين عقب التحريض على اغتياله، بفاصل 18 شهرا شغلها بيريز، وأطولها لاثنتى عشرة سنة بين 2009 و2021، وآخرها منذ ديسمبر 2022.
عاد بعد فاصلٍ شغله بينيت ولابيد، ولم تكن العودة بسيطة، أو كسابق المرّات. استخلص المنصب من تيّار شبيه، ولم يجِد إسنادًا إلّا من التوراتيين المُتطرفين، ولقاء هذا قدّم ترضيات كُبرى، وتعهد بتنازلات أكبر.
وأهم الوعود، تثبيت إعفاء الحريديم من التجنيد؛ إذ رغم أنه عُرف مُمتد منذ النكبة، لم يعُد محلّ ترحيب من العلمانيين، وبات يُمثّل شرخًا مجتمعيًّا عميقًا، ومثار اعتراض من كُتلة ترى أنها تتكبّد المشقّة، وينتفع سواها بضريبة الدم دون مشقّة والتزام!
سعى زعيم الليكود لتمرير الصفقة، وأخفق مرّة بعد أخرى؛ لا سيما فى أجواء
“طوفان الأقصى» وما تلاه من مواجهات على عِدّة جبهات.
تضغط البيئة الأصولية على أحزابها؛ فيضغط قادتها على قائد الائتلاف، وتقترب الانتخابات فلا تترك هامشًا للمراوغة والانتظار.
والحل؛ أن يُمثّل الطرفان على قاعدتيهما الشعبيتين؛ ليخرجا معًا بطلَين ثابِتَين على المبدأ، وبدون خدوش وأضرار!
يظهر نتنياهو فى صورة زعيمٍ لم يُفرّط، ولن يسقط الحاخامات فى نظر الطلاب الدينيِّين وعائلاتهم، بينما تُنعشُ الانتخابات الموالين هنا وهناك.
وإلى ذلك؛ فإنه يُربِك المُناوئين بخلخلة الجدول الزمنى، والأهم أن يبتعد عن أكتوبر بضغطه المادى والنفسى المُرتبط بذكرى مُقامرة السنوار.
مُحتال يرى الكنيست مُجرّد دُمية، وجمهرة الناخبين قطيع من الأغبياء!
نظريًّا؛ يحتاج للتهدئة والاستقرار، ما يعنى أنه لن يُقدِم على قدح الشَّرَر مُجدّدًا فى ساحات المُمانَعة. وعمليًّا؛ فإنه أحوج ما يكون لإنعاش السردية، وإثبات البأس، وتجديد شرعيّته صقرًا جارحًا.
جذوره فى تُربة جابوتنسكى، وفروعه تُظلّل على قبر شقيقه «يونى» المقتول فى عنتيبى.. قلبه مع الجدار الحديدى والصهيونية التصحيحية، وعقله مع اختراق الحدود وتسييل الخرائط، وإعادة تعريف الردع بالمبادرة والاستباق.
سيُسأل عن السابع من أكتوبر، وسيكون ردّه بالإشارة إلى غزّة المُهدّمة على رؤوس أهلها، وما جناه على الضفة ولبنان وسوريا واليمن، وصولاً للجمهورية الإسلامية وقلعة مُرشدها الحصينة.
لديه ردود على كل شُبهة واتّهام؛ غير أنه يحتاج إلى برنامج مُحدّث، يُقنعُ ويصرف الانتباه عن الماضى إلى الحاضر.
يحتاج حربًا من النوع الاستعراضى، أو صفقة تكون له اليد العُليا فيها، ومُماطلة تُفجّر له اتفاقا فيستبدلُ به نسخةً أردأ!
يتمنّى لو أن سيد البيت الأبيض يُطلق يدَه للعودة إلى إيران.. وبعيدًا عن موقف ترامب، والاستعصاء القائم مع مُجتبى، أو صاحب القرار فى دولة الملالى أيًّا كانت هُويّته، فالغالب أن برنامجه لا يتطابق مع أهواء الحليف.
يكفيه أنه خُدِع قبلا، واستُدرج للجبهة بتصوّرات مُلفّقة أو استقراءات ساذجة.
لن يُعيد الكَرّة، وفى أسوأ الظروف لن يتخطّى انفعاله نطاق الضربة المَوضعية؛ للترويض وترتيب الطاولة، أى للتفاوض لا الحرب!
سوريا خرجت من مرمى البندقية الصهيونية، وباستثناء القَضم الذى لم يُهضَم بعدُ جنوبًا، لا أُفق للتوسع أو اختراع مُنازلة يُغلّف بها برنامجه الانتخابى.
لبنان على حافة الهاوية؛ وإن بدا الأمريكيون ميّالين للتسوية لا التصعيد.
يُمكن أن يذهب نتنياهو للانتخابات بملابسَ مَدنيّة، عاريًّا من عُدّة الحرب وصخبها؛ غير أنه سيَجِدُّ ما وسعته السُّبل لزيارتها تحت النار، وأن تكون صُوَر حملته بالملابس العسكرية وغُبار الميدان!
يُلاقيه حزب الله على الهدف؛ بالمُزايدة والشعبوية والاستتباع للولى الفقيه وحَرس ثورته. وتقف «حماس» على خطّ الملعب فى انتظار التبديل؛ وقد ثبّت عليها ميلادنيوف تهمة تعطيل الاتفاق فى إفادته لمجلس الأمن.
لن يملّ «بيبى» من المحاولة؛ بغية إقناع ترامب برحلة ثانية إلى فارس. وإن تعذّر؛ فسيقبض على جنوبىّ الليطانى، أو يُسعّر الجَمر المطفىّ فى غزّة.
مسألة حياة أو موت للمُمانعة، وله أيضًا؛ لأنها آخر فرصة لغسل سُمعته، وانتشال إرثه من مُستنقع الفشل والفساد.
ما أقسى أن ينتهى للسجن أو العار؛ ذاك الذى عَدَّ نفسه ملكًا، وليس بينه و»داود» إلا أنه لم يُذكَر فى التوراة!