شريف عارف

دعاة الهزيمة.. وحقائق الانتصار

الخميس، 21 مايو 2026 03:24 م


أيام قليلة ويبدأ "دعاة الهزيمة" موسمهم المعتاد، والذي ينطلق رسمياً مع بداية شهر يونيو من كل عام، في إشارة إلى هزيمة يونيو 1967. في هذا الشهر من كل عام تتصاعد "نغمة الهزيمة" متناسية ما يحققه المصريون من انتصار عظيم في أكتوبر 1973. والقضية هنا ليست في دعاة الهزيمة وحدهم، ولكن في الذين حولوها إلى "قضية جدال" قائمة على الدوام بلا نهاية، بهدف تدمير نفسية شعب استطاع أن يعبر الهزيمة بعظمته وإيمانه وقدرته على تجاوز المستحيل وقهره.

الحقيقة المؤكدة، أن الدول تتعرض لإنكسارات وهزائم، والأمم الكبرى وحدها، هي التي تستطيع أن تتجاوز هذه الهزائم وتحولها إلى انتصارات حقيقية، يشهد بها المتخصص والمتابع.

في مقدمة "دعاة الهزيمة"، تلك "الكتائب الإلكترونية" التابعة للتنظيم الدولي للإخوان، التي تحاول دومًا إشاعة اليأس والإحباط بين الناس، وهي تحاول دوماً أن تحقق نصراً فشلت في تحقيقه على الأرض.

ومن بين "دعاة الهزيمة" إسرائيل نفسها وجهازها الإعلامي الذي يحكم العالم، وينسج ويصدر الروايات المضادة للهزيمة الساحقة، التي تكبدتها في أكتوبر 1973.

الأوهام الإسرائيلية، جعلت من وزير دفاعها موشيه ديان، ليس مجرد قائد عسكري في تاريخ الدولة الصهيونية، بل رمزًا لانتصارها في العصر الحديث ، وخاصة حرب يونيو 1967.

وهنا تكمن حقيقة حرب أكتوبر، في أنها ليست مجرد مواجهة عسكرية، بل لحظة فارقة أعادت تشكيل الوعي الاستراتيجي في المنطقة، وأسقطت واحدة من أكثر الأساطير رسوخًا في العقيدة العسكرية الإسرائيلية، تاركة جروحًا عميقة على شخصيات ملهمة منها موشيه ديان، الذي دفع ثمن تلك الصدمة سياسيًا ونفسيًا مع أولى بشائر النصر.

مع الساعات الأولى لانطلاق الحرب في السادس من أكتوبر، فوجئت القيادة الإسرائيلية بهجوم منسق قام به الجيشان المصري والسوري على جبهتي سيناء والجولان. بدا الارتباك واضحًا على ديان، الذي لم يستوعب حجم الاختراق الذي حققته القوات المصرية والسورية، خصوصًا مع نجاح الجيش المصري في عبور قناة السويس وتحطيم خط بارليف، بالتوازي مع تقدم القوات السورية في الجولان.

وسط هذا التدهور السريع، دخل ديان في حالة من الانهيار النفسي، فقد أشارت شهادات تاريخية إلى أنه طرح خيار استخدام السلاح النووي كملاذ أخير لوقف التقدم العربي، قبل أن تتدخل الولايات المتحدة لاحتواء الموقف ودعم إسرائيل عسكريًا.

هذا الصراع النفسي الناتج عن هول الصدمة، دفعه لأن يصف الهجوم المصري، بأن "الهيكل الثالث قد سقط"، في تعبير رمزي عن انهيار أسطورة التفوق الإسرائيلي.

تداعيات الصدمة لم تتوقف عند الجانب العسكري، بل امتدت إلى الداخل الإسرائيلي والعمق الشعبي، فقد واجه ديان انتقادات حادة وغضبًا شعبيًا واسعًا، خاصة بعد اعترافه بفشل التقديرات العسكرية والاستخباراتية، مما أجبره على تشكيل لجنة "أجرانات"، والتي ترأسها القاضي شمعون أجرانات، للتحقيق في أسباب الإخفاق الإسرائيلي خلال الأيام الأولى للحرب.

نتائج تقرير اللجنة حدد أن الفشل ليس وليد اللحظة، بل نتاج تراكمات من الأخطاء الاستراتيجية، أبرزها قصور أجهزة الاستخبارات، وعلى رأسها شعبة "أمان" وجهاز "الموساد"، في التنبؤ بموعد الهجوم رغم وجود مؤشرات واضحة بتحركات المصريين.

كما كشفت التحقيقات عن اعتماد القيادة الإسرائيلية، على الإفراط، فيما عُرف بـ"المفهوم الأمني"، الذي استبعد قدرة الجيوش العربية على تنفيذ هجوم واسع النطاق ضدها.

عقدت لجنة أجرانات قرابة 140 جلسة استماع رئيسية، واطلعت على عشرات الشهادات، من بينها شهادة رئيسة الوزراء جولدا مائير. وفي النهاية أوصت بإقالة عدد من القيادات العسكرية، من بينهم رئيس الأركان ديفيد بن إليعازر، ومدير الاستخبارات العسكرية إيلي زعيرا، إلى جانب قادة ميدانيين بارزين في الجيش .
في يناير 1975، صدر التقرير النهائي للجنة، متضمنًا إنتقادات حادة لأداء وتحركات الجيش الإسرائيلي، خاصة فيما يتعلق بضعف الجاهزية وسوء التنسيق.

ورغم أن معظم فصول التقرير الرئيسي للجنة، ظل سريًا لسنوات طويلة، إلا أن ما تم الكشف عنه أكد حجم الإخفاق الذي واجهته إسرائيل في تلك الحرب، وأن المصيبة تجاوزت إنتصارهم الزائف في يونيو 1967.

وزير الدفاع الإسرائيلي "موشيه ديان" زعم عقب نكسة 1967، أن الجيش المصري قد انتهى، ولن تقوم له قائمة قبل مرور 50 عامًا. إلا أن إرادة الجيش المصري حطمت هذه الأوهام، حيث عبرت القوات المصرية القناة بعد 6 سنوات فقط لاسترداد الكرامة.

وسط هذا التساقط المروع لاسطورة الجيش الذي لا يقهر، اعترف "موشيه ديان" بالصدمة والذهول بعد العبور المصري، ووصف المواقع الإسرائيلية الحصينة بأنها تحولت إلى "فخاخ" لجنودهم، وأقر بالخسائر الفادحة التي تكبدوها.

"دعاة الهزائم" لن يتوقفوا عن أحاديثهم، طالماً أن هناك جيشا قويا لمصر، وشعبا يقهر المستحيل.

Sherifaref2020@gmail.com




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة