كان الولد الفرخ الصغير يخرج في البكور، يسابق أشعة الشمس في تخللها بين شجيرات الحقل، وساقاه النحيفتان الطويلتان الواثقتان تتخللان تلك السيقان الخضراء للزرع والنبت، تثبان في همة وعفوية، وطموح يلامس الفضاء، والرجل متكئ على صفصافته العجوز، التي تسلمها من والده منذ أمد بعيد، وقد كفّ نفسه عن عناء العد والحصد لسنوات ماضية، واكتفى بإلقاء ظهره عليها، يجد في فيافيها وأُنسها بعضًا من حنين لأحاديث والده ـ الجد ـ وهما ينظران إلى هرولة الصبي وراء فراشات الحقل، التي عجّلت من ارتقائه للسماء منذ طفولته، والجد يُسِرّ عن حفيده إلى ولده ـ الذي كان شابًا، وصار بعد الأسرار كهلاً ـ بأن القادم سيكون لصبيك إلى الأعلى وليس إلى الأمام!...
ولم يعِ الأب ـ حينها ـ بلاغة السنوات الطوال التي اختصرها الجد في عبارته المقتضبة، وهو الآن يراجع على سمعه ما استشرفه الجد الحكيم، والطفل الذي صار شابًا وما زالت براءة الطفولة تقفز به إلى الأعلى وتأبى أن توطنه بالأرض، فها هو قادم إلى والده المتكئ على إرث عائلته، تلك الشجرة الصنوان ذات الجذوع التوأم العظيمة التي تشبه أقدام الفيلة، وتتفرع إلى الأعلى لتتشابك أغصانها، مُحدِثة حفيفًا يهمس كصرير أقلام تكتب الأقدار على أوراقها المكتظة بأماني الرجل لصغيره، في رجاء يائس من الرجل في محو ما سمعه من والده ـ الجد ـ وتمتلئ عيناه بثبات الفتى، وكأنه يروي تلك المقلتين غمرًا بصورة فتاه الطموح، والذي عاد فرحًا من جيشه، في إجازة منه لعمل آخر بحقل والده، وهو يمسك بيمينه الفأس كتلك التي كانت لأسابيع ماضية قريبة تقبض على السلاح لتصون التراب في سيناء وتحفظه، مرددة بالفعل لا بالقول: «حيّ على الجهاد»، وهي الآن ترفع فأسها إلى السماء معلنة تكبيرات العمل: «حيّ على الفلاح».
ويلتقط الفتى من السماء المدد، ويُنزل براحتيه وفأسه على أرضه، يربت عليها ويفرق بين خطوطها كما يفرق خصيلات شعر محبوبته، ويتقطر العرق الصافي من جبينه يروي أرضه وزرعه، والأب ما زال متكئًا على صفصافته يسمع مكالمات ولده التي تفتق ذهنه بتسجيلها واحدة تلو الأخرى، بعد أن وشت له الصفصافة وكشفت عن مكنون أحاديث الجد عن الحفيد بأن القادم له سيكون ذا شأن عظيم في العلا وليس للأمام، وبعد أن امتلأت عيناه بصورة ولده، وهو يأبى البقاء بالأرض، ويصر على التلحيق بفضاء الفراشات، وبعد أن شاهده وهو يرفع يديه بفأسه قادمًا من السماء إلى الأرض لا يكاد يلامسها ثم يعود سريعًا، يسمع الأب وتسمع معه إرث الجد (شجرة الصفصاف) آخر مهاتفة له من ولده من سيناء: «اطمئن يا با، خلاص، ما فيش داعي تدور على عروسة تاني وتالت، أنا عروستي جاتني، وعرفتها، وعرفتني، وبكرة أو بعده بالكتير الفرح».
وكأنها المرة الأولى لهما في سماعها، ومن جديد تبكي الشجرة ويبكي الرجل، ويعود الولد يروي الأرض.
يحكي والد الشهيد البطل عمرو أنور السيد عبد المعطي:
«عمرو ابن قرية الرحمانية مركز ميت غمر بمحافظة الدقهلية، وهو الشهيد الثاني لهذه القرية، وُلد البطل بتاريخ 1/1/1997، وهو الشقيق الأكبر لإخوته: سماح ومحمد وأسماء... وهو المحب لإخوته والعطوف عليهم، ووسع عطفه وطال حبه أهله من أبناء عمومته، فكان يعتبرهم كلهم إخوته، وكان لا يتوانى لحظة إذا كان لأحدهم طلبًا في استطاعته، وكان بالغ الكرم في محبته لكل أهل القرية، ومنّ الله عليه منذ ولادته، وهو يتحلى بالوجه الحسن والابتسامة التي لا تفارق وجهه، فكان هشًّا بشًّا مع كل من يلقاه، وكان بارًا بوالدته رءوفًا بها، فكان يخفي عنها ما يدور بسيناء، ولا يحكي أمامها عن استشهاد قادته أو زملائه الجنود.
وكان يرأف بحالها، ولا يرضى أن ينال الجزع من قلبها، وهو كان معينًا لي، فكان ساعدي، وبصري، وصلبي الذي أستند عليه، وهو ابن مدرسة الرحمانية الابتدائية التي سميت باسم الشهيد ـ فيما بعد ـ مدرسة الشهيد عمرو أنور الابتدائية، وبعدها الرحمانية الإعدادية، ثم مدرسة ميت أبو خالد الثانوية التجارية، وكنت بعد أن أنهى تعليمه أسعى لزواجه من إحدى بنات القرية، فكان يطيعني لعلمه أن تلك هي رغبتي في أن أرى أحفادي منه، ويذهب معي لأكثر من أربع مرات، حتى قال لي: «ما تحاولش تاني يا با لأني حاسس إني هتجوز بس مش من هنا».
ولم يفصح لي عن السر الذي استنبطه من جده عن مستقبله إلا في آخر إجازة له من الجيش، وقبل استشهاده بعشرين يومًا حين كشف الله عنه الحجاب فقال لي: «خلاص أنا هتجوز من الحور العين»، قلت له: «بعد الشر عليك»، قال لي: «شر إيه بس، ادعيلي ربنا ينولهالي، هتبقى دي الفرحة الكبيرة إن شاء الله».
ومن وقتها وقلبي أصبح فارغًا، وجفت الدموع من عينيّ، ولا يتحرك لساني إلا بالحوقلة، ويردد قلبي: «إنا لله وإنا إليه راجعون»، وكأن الله أراد أن يهيئ قلبي لاستقبال الطامة الكبرى، وكلما أنظر إلى ولدي أراه كما أراد «عريسًا»، وأخفي عنه دموعي، وهو يزيح نظره عني ربما ليرحم كهولتي، وكلما يتصل هو من سيناء على المحمول أقول له: «انتظر شوية يا بني، لما أسمعك كويس»، وفي الحقيقة أنني كنت أضبط التليفون لتسجيل المكالمة لأدخر صوته للأيام القادمة التي أعلم أنني سأفتقده كثيرًا، وأن آلام الفقد والحرمان منه ستقتلني.
وكان البطل ابني التحق بالجيش بسيناء عندما نداه الوطن لخدمته وللدفاع عن أرضه من التكفيريين مدّعي التدين، وسرعان ما لبى النداء، والتحق بمصنع الرجال، وانتقلت كتيبته بمعسكر رابعة بمدينة بئر العبد بشمال سيناء، كتيبة الأبطال بأرض الفيروز المروية بدماء الشهداء، فأحب ابني البطل الصحبة والأرض، وأحس أنه وجد ضالته، وعندما علمتُ أنه في شمال سيناء جنّ جنوني وأردت أن يُنقل إلى مكان آخر، ولكن البطل رفض وبشدة، وتمسك بالمكان وقال لي: «ما تحاولش يا با لأني لقيت نفسي هنا، وأحب أقولك: اللي بيدخل المكان ده ما بيخرجش إلا بشهادة من اثنتين: يا شهادة الجيش (إنه راجل)، يا شهادة الاستشهاد (إنه بطل)».
البطل ابني كان في الكتيبة سائقًا لمدرعة القائد، وكان يعشق مهام المداهمات ومواجهة التكفيريين، ولجرأته وشجاعته اختاره القائد لكي يكون معه في المأموريات القتالية المختلفة، وكان البطل عمرو شجاعًا ونموذجًا للمقاتل المخلص والمتفاني، حيث كُرِّم البطل عدة مرات من قائد الجيش الثاني على شجاعته وجرأته المعهودة عنه.
ففي يوم 21/7/2020 هاجم التكفيريون معسكر رابعة بعدد كبير من العربات المفخخة و300 فرد تكفيري وانتحاريين، فعندما أصابوا أفراد الخدمات على البوابة انطلق البطل عمرو بمدرعته وأغلق بها بوابة الوحدة، وتصدى مع زملائه وتعامل مع الهجوم الانتحاري بشجاعة نتج عنها تفجير الانتحاريين خارج الوحدة، ولم يُصب أحد من زملائه في هذا الموقف، وعندما اشتد الأمر وأصيب زميل له بجواره على الرشاش النصف بوصة قام بحمله ونقله وسط طلقات التكفيريين إلى المسجد، ومنذ الثانية ظهرًا وحتى الثانية مساءً تم قتل 18 تكفيريًا وإصابة العشرات منهم وتفجير عرباتهم ودراجاتهم البخارية المستخدمة في الهجوم، وفر عدد كبير من التكفيريين، وقام البطل عمرو مع زملائه بإخلاء المصابين إلى كوبري السلام على القناة، ليتم نقلهم إلى المستشفى العسكري لعلاجهم بعد أن لقنوا كلاب أهل النار درسًا لن ينسوه.
«وفي صباح يوم الأحد الموافق 30/8/2020 الساعة الثامنة صباحًا كان البطل عائدًا مع قائده وزملائه من مداهمة، وكان بمجرد دخوله الكتيبة بدأت مهمة أخرى تستعد للخروج، وأصر على الاشتراك معها واستأذن القائد، وقال له زميله: “يا عمرو إنت لسه راجع من مداهمة، ارتاح إنت والجايات كتير”، فقال له: “أصل شكلها قربت يا صاحبي”، وإذا به ينول الشهادة وينضم إلى قائمة الشهداء، هو وسبعة أبطال من قادته وزملائه، وتكون هي دية الفرحة الكبيرة التي تمناها، ويُزف إلى زوجاته من الحور العين.
وبعد سماع أخبار التفجيرات بمدينة بئر العبد بالتليفزيون، وتناقلت مواقع التواصل أخبارًا عن أسماء شهداء، اتصل عليّ زميل له وقال لي: “السلام عليكم يا عم أنور، أستحلفك بالله ألا تبكي... ابنك بطل... البطل أخد رتبة عالية أوي، وكان بيتمناها، أقسم بالله إنه كان ليل نهار بيتمنى الشهادة”، ويبكي زميل ابني، وتخنقه عبرات تمنعه من استمرار المكالمة، وأنا لا أقول إلا قولًا واحدًا: «الحمد لله، طمني يا ابني: هو استشهد؟ ابني استشهد، لا حول ولا قوة إلا بالله».
وأنا أتماسك عن البكاء ولا أدري كيف أبلغ والدته، وهي صاحبة القلب المقبوض على وليدها من عدة أيام، وهي لا تنام وتقوم الليل لله تدعو لابنها، وأنا أخفي عليها ما قاله لي، وطلبه مني وليدنا في آخر زيارة له عندما ترجاني أن أدعو له بتحقيق مراده، وأنا أعلم عن ولدي مراد قلبه، وأتذكر كلام جده عنه، وأمام إلحاح وليدي، ورجائه لي بالدعاء بتحقيق ما يريده من ربه، قلت له: «ربنا يريح قلبك يا ابني وينولك رضا ربك»، وأخفيت ما قلت لابني عن أمه، وقلبي من حينها يعتصر عما نطق به لساني، ولكنه الإيمان بالله هو سندي في محنتي.
ثم اتصل أحد ضباط الكتيبة وقال لي: «السلام عليكم، أنا الملازم أول علي من كتيبة البطل عمرو، أرجوك يا والدي اعتبرني ابنك، وأنا تحت رجلك أي وقت، وشرف لي أكون زي ابنك، وإن كان هو ربنا شرفه بالشرف الأعلى».
فقلت له: «يا فندم...» فقاطعني: «يا والدي، أنا يكون لي الشرف تناديني يا ابني»، فقلت له: «يعني ابني عمرو خلاص، خلاص بقى شهيد زي ما كان عايز، لله الأمر من قبل ومن بعد».
ومن حينها وأنا أستمع إلى مكالمات ابني لي في الحقل بعيدًا عن والدته حتى لا تبكي وليدها كما كان يريد هو، وأبكي وحدي هناك في الأرض بين الزرع الذي نثر بذوره عمرو ورواه بعرقه، وأنا أحدث نفسي:
«... وهكذا تكون خاتمة الأرواح الطاهرة النقية الذين اصطفاهم ربهم، فهؤلاء رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه... بسم الله الرحمن الرحيم: (فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة ومن يقاتل في سبيل الله فيُقتل أو يَغلب فسوف نؤتيه أجرًا عظيمًا) صدق الله العظيم...».
وينهي الرجل حكايته عن قطعة من قلبه.
.jpg)
الشهيد عمرو أنور
.jpg)
الشهيد عمرو أنور
.jpg)
الشهيد عمرو أنور
.jpg)
الشهيد عمرو أنور
.jpg)
الشهيد عمرو أنور
.jpg)
الشهيد عمرو أنور