يتطابق مفهوم الشائعة مع اللغط في نسيج تفاعلي يهدد الاستقرار الفكري للمجتمع؛ إذ تبدأ الدائرة بخبر غامض يثير المخاوف؛ لينبري المتلقون في تفسيرات صاخبة، تولد جلبة فكرية تحجب الحقائق وتكرس الالتباس، ويرتبط هذا التلازم المترابط بتحويل الفضاء العام إلى بيئة طاردة للعقلانية، تشيع فيها الاتهامات المتبادلة والانسياق وراء العواطف، وتؤدي هذه العلاقة التبادلية في نهاية المطاف إلى حلقة مفرغة، تفضي فيها الشائعة إلى لغط ينتج بدوره شائعات جديدة، الأمر الذي يستوجب مواجهة حاسمة، تسعى إلى قطع الطريق أمام هذا التدفق السلبي، عبر نشر التثبت الفطن، وإعلاء صوت الحكمة والمنطق الفكري، سعيًا خلف الاستقرار الجمعي.
يستثمر رواد التواصل الاجتماعي على الصفحات سريعة الانتشار الخصائص البنيوية للفضاء الرقمي في إنتاج لغط مجتمعي واسع؛ حيث تتحول المعلومات غير الموثقة والمغلوطة والمحرفة والمؤولة لديهم إلى رأسمال رمزي، غايته تحقيق الحظوة الرقمية وزيادة التفاعل، وتعتمد هذه الممارسة الاتصالية على استراتيجية التوجيه العاطفي للمضامين وإخراجها عن سياقها الحقيقي، مما يولد ضبابية معرفية، ويبني وعيًا زائفًا يفتت الثقة المؤسسية، وتؤول هذه الممارسات الرقمية في النهاية إلى تشكيل غرف صدى تعزز الاستقطاب الفكري، وتجعل البيئة الرقمية مناخًا عازلًا للموضوعية، الأمر الذي يستوجب مواجهة جادة ترتكز على تعزيز التربية الإعلامية، وتنمية الحس النقدي الجمعي، سعيًا لحظر هذا التدفق السلبي.
ينبثق العوز المعلوماتي كمسبب أساسي ينشئ فراغًا معرفيًا يرفضه العقل الجمعي، مما يدفع المجتمع تلقائيًا إلى قبول الشائعات كحاجة ملحة لسد العجز الإخباري، وتتغذى هذه الأخبار مجهولة المصدر على الخوف والقلق؛ ليتراجع منطق التثبت، وتتسيد التفسيرات المتضاربة، وهنا يندلع اللغط المجتمعي كحالة من تضارب الآراء الصاخبة والسجالات العقيمة، التي تحجب الفهم الصائب، وتزيد الغموض، ونصل من هذه الدائرة في النهاية إلى حلقة مفرغة ينتج فيها اللغط شائعات مستحدثة؛ ومن ثم ينبغي إتاحة البيانات بنزاهة، وسرعة، وإعلاء صوت الحكمة والمنطق، قطعًا لهذا الامتداد غير القويم.
تتبلور الإشكالية هنا في بطء الخطاب المؤسسي عن مواكبة السرعة الفائقة لانتشار البيانات في البيئة الرقمية؛ فيؤدي تأخر الرد الرسمي عند حدوث الأزمات إلى نشوء فراغ معلوماتي مؤقت، يرفضه العقل الجمعي؛ نظرًا لعدم تقبله حالة الشك، مما يدفع الجماهير تلقائيًا نحو استهلاك الروايات البديلة المتاحة عبر منصات التواصل الاجتماعي والصفحات سريعة الانتشار، وينتج عن هذا الوضع تحول الفضاء الافتراضي إلى ساحة لتناسل الأخبار المغلوطة والمحرفة، الأمر الذي يفرز لغطًا مجتمعيًا صاخبًا يعمق التشظّي الفكري، ويفتت أواصر الثقة المتبادلة بين المجتمع والمؤسسات الرسمية المعنية.
تتطلب معالجة هذه المعضلة انتقالًا استراتيجيًا نحو الفعل الاستباقي الرقمي من خلال سد الفراغ المعرفي ببيانات أولية سريعة تطمئن الرأي العام، وتكبح التأويلات العشوائية، ويسهم تفعيل غرف رصد رقمية مدعومة بالذكاء الاصطناعي في تقديم معلومات دقيقة وموثقة، تجرد اللغط من سلاح الغموض والتحريف، وتؤدي هذه المنظومة المتكاملة بالتوازي مع نشر برامج التربية الإعلامية وتنمية الحس النقدي لدى الأفراد إلى تحصين المجتمع ضد الاستهلاك السلبي، مما يجهض الأخبار الزائفة في مهدها، ويصون الاستقرار الفكري؛ بفضل إتاحة الحقائق بنزاهة وسرعة وموضوعية تامة، تحمي وتصون الوعي الجمعي.
تشكل حالة اللغط مهددًا حقيقيًا للأمن المعرفي، كونها تستنزف المزاج الجمعي، وتوجه الاهتمام نحو سجالات عقيمة؛ إذ يسفر تواتر الأخبار المحرفة والمؤولة عن تفتيت الثقة المؤسسية ونشر مشاعر القلق، وتعمل هذه الحالة السلبية كأداة حجب تزيف وعي الرأي العام، وتستدرجه نحو هوامش القضايا على حساب المتون التنموية، ولأن المعالجات الجزئية لا تجدي نفعًا، يصبح من الضروري صياغة إطار منهجي متكامل، يستهدف الجذور الأساسية للمشكلة؛ لإحداث تحول فكري قويم، يحمي استقرار الوطن، وينكبح معه هذا التلوث المعرفي الحاد.
يتأسس الحل على مسارين، يضمن أولهما تجفيف منابر التضليل عبر حوكمة المنصات الرقمية، وضخ البيانات الموثقة بنزاهة لسد الفراغ الإخباري، ويتعلق المسار الآخر بتحصين عقول أبناء الوطن بتنمية مهارات التفكير الناقد؛ ليتحول الفرد من متلقٍ سلبي إلى فاحص فطن يفرز المحتوى بعقلانية، ويساعد هذا الاستثمار البشري من خلال التعليم والإعلام في ترسيخ آليات التثبت وقراءة الدوافع، مما ينشئ مجتمعًا واعيًا يرفض الزيف بمسؤولية تامة، وتصبح الحقيقة العارية المعيار الأسمى الذي يصون الأمن الفكري والسلم الأهلي دائمًا.
ـــــــــــــ
أستاذ ورئيس قسم المناهج وطرق التدريس
كلية التربية بنين بالقاهرة _ جامعة الأزهر