لم تعد محاولات التأثير على الجبهة الداخلية المصرية مرتبطة بوسائل تقليدية أو خطاب سياسي مباشر، بل انتقلت بالكامل إلى الفضاء الرقمي، حيث تُدار حملات متتابعة من الخارج تستهدف تشكيل الإدراك العام عبر الشائعات، وتضخيم الأحداث، وإعادة تفسير الوقائع بطريقة تخدم أهدافًا سياسية واضحة.
المشهد الحالي يكشف أن ما يُنشر على منصات التواصل الاجتماعي لم يعد مجرد تفاعلات فردية أو آراء متفرقة، بل أصبح أقرب إلى توجيه رقمي يعتمد على إعادة بث الرسائل نفسها عبر حسابات متعددة في توقيتات متقاربة، بما يمنحها مظهرًا زائفًا من الانتشار والتأثير.
وفي هذا السياق، جاء قرار النيابة العامة بحجب حسابات 12 شخصًا على منصات التواصل الاجتماعي، بالتنسيق مع الجهات المختصة ومخاطبة الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات، ليؤكد أن الدولة تتعامل مع هذا النوع من المحتوى باعتباره جزءًا من تهديد مباشر مرتبط بالأمن المعلوماتي وحرب الوعي، وليس مجرد نشاط إعلامي عابر.
وضمت القائمة أسماء ارتبطت خلال السنوات الماضية بخطاب التحريض وإعادة تدوير الشائعات، من بينهم إيدي كوهين وعمرو واكد وعبدالله الشريف ومحمد ناصر وأسامة جاويش وهيثم أبو خليل ويحيى موسى وغيرهم ممن ارتبط حضورهم الرقمي بخطاب يقوم على التشكيك والتأويل والتضخيم المستمر.
كيف تعمل هندسة الوعي عبر الحسابات الخارجية؟
تقوم استراتيجية التأثير الرقمي على مجموعة من الأدوات المتكررة التي تُستخدم بشكل منظم لإعادة تشكيل إدراك الجمهور داخل الدولة المستهدفة. أهم هذه الأدوات هي تكرار الرسالة، حيث يتم نشر نفس الفكرة بصيغ مختلفة عبر حسابات متعددة، بحيث تبدو وكأنها رأي عام متنامٍ وليس محتوى موجّهًا.
الأداة الثانية هي تضخيم الحدث، عبر تحويل واقعة محدودة إلى أزمة واسعة من خلال إعادة النشر المستمر والتعليق المبالغ فيه، بما يخلق حالة من القلق والتشويش داخل المتلقي.
أما الأداة الثالثة فهي إعادة التفسير، حيث يتم تقديم الأحداث المحلية في إطار سياسي أو أمني مختلف تمامًا عن سياقها الحقيقي، بهدف توجيه الإدراك نحو استنتاجات محددة مسبقًا.
من التفاعل إلى التوجيه.. كيف يصنع المحتوى الموجه؟
المتابع لنشاط الحسابات الخارجية يلاحظ أن هناك نمطًا متكررًا في التعامل مع أي حدث داخل مصر؛ يبدأ بنشر أولي مثير للجدل، ثم يتبعه مباشرة إعادة تدوير واسعة من حسابات أخرى، بعضها إعلامي وبعضها سياسي وبعضها مجهول الهوية، لتتحول الفكرة في ساعات قليلة إلى قضية رأي عام رقمية.
هذا النمط يخلق ما يشبه "الريموت كنترول الإعلامي"، حيث لا يتحرك الجمهور بناءً على مصدر واحد للمعلومة، بل عبر شبكة مترابطة من الحسابات التي تعيد بث المحتوى نفسه بزوايا مختلفة، ما يصعب عملية التحقق ويزيد من تأثير الرسالة.
الجبهة الداخلية تحت اختبار مستمر
تستهدف هذه الحملات في جوهرها الجبهة الداخلية للدول عبر إضعاف الثقة في المؤسسات، وزيادة الاستقطاب، وصناعة حالة دائمة من الجدل والانقسام، وهو ما يمثل أحد أبرز ملامح حروب الجيل الخامس.
ومع توسع الاعتماد على الفضاء الرقمي كمصدر رئيسي للمعلومة، أصبحت القدرة على توجيه المحتوى وتضخيمه عاملًا حاسمًا في التأثير على الرأي العام، ما يجعل معركة الوعي واحدة من أهم ساحات الصراع الحديثة.
وما بين "الريموت كنترول الرقمي" وتزييف الوعي، تتشكل ساحة جديدة من الصراع، لا تعتمد على القوة التقليدية، بل على التحكم في تدفق المعلومات وتوجيهها، بما يجعل الوعي نفسه هدفًا مباشرًا في معادلة الصراع الحديثة.