حازم حسين

نافذة تُطل على واشنطن وطهران

الأربعاء، 20 مايو 2026 02:00 م


لا ضمانة ضد الحرب إلا أن يعافها الطرفان؛ أكان لزُهدٍ أو يأس، أم لقناعة بأنها تُعقّد أكثر مِمّا تُحَلحِل، ولا يُرجَى منها حسم أو تسوية.
والحال؛ أن الأمريكيين والإيرانيين وصلوا بالفعل إلى محطة الضيق، وما عادت لهم رغبة فى الحلول الخشنة.

غير أن العُقدة الأكبر فى افتقاد الليونة، وفى عجزهم المُشترك عن تفعيل السياسة على معناها التسووى السليم؛ بأن تأخذ شيئا وتترك أشياء!
أمّا الدلالة على خلع القفازات وإلقاء البنادق؛ فما تزال الجمهورية الإسلامية تتفاوض فى عناوين تمسّ مركزيات النظام وشرعيته، وفى سياق ضعف وهزيمة، لا عن سَبقٍ واقتدار!

كما أنها مُتجاوبة مع المطروح، ومُهتمة باقتراح البدائل؛ وإن ماطلت سعيا لكسب الوقت أو استنزاف طاقة الخصوم.
وأهم ما فى المسألة؛ أن الصقور سيّارون مع الحمائم، ويُسابقونهم إلى الطاولة!

وفى المقابل؛ اخترع ترامب الهُدنة من تلقاء نفسه تقريبًا، ويُصرّ عليها رغم المُنغّصات، مُكتفيا فى أسوأ الظروف، بضرب الحصار على الحصار، وخنق الملالى بغلالةٍ حريرية، بدلا عن القتل وجَزّ الرقاب.

كان مُفاجئًا أن يُطل على جمهوره قبل يومين، بمنشور يُظهِر عكس ما يُضمِر، ويصحُّ تأويله فى اتجاهٍ غير ما قرأه الناس عليه، لا سيّما لجهة الوشاية بحالته النفسية راهنا، وبما يُمكن أن يُقدِم عليه لاحقًا.

قال بعباراته النُحاسية المُعتادة، وبصخبٍ يطفح من المكتوب، إنه كان بصدد إطلاق جولة قصفٍ ثانية ضدّ طهران، وأوقفها فى آخر لحظة بناء على مُناشدة من حلفائه الخليجيين.

يُصرّح بأسماء ثلاثة: الأمير محمد بن سلمان ولى العهد السعودى، وتميم بن حمد أمير دولة قطر، والرئيس الإماراتى محمد بن زايد.
ووجه الاستغراب؛ أن المُشار إليهم، وغيرهم، سبق أن رفعوا إليه عرائض بالمطالب ذاتها.

وعندما تبدّى أنه مُوشِك على الهجوم أواخر فبراير، عقب أيام من استقبال نتنياهو بالبيت الأبيض، دعوه إلى تأخير اللجوء للقوّة، وإفساح مجال للسياسية والدبلوماسية.

وبافتراض حُسن النيّة الكامل؛ فما دعاه للاستجابة اليوم، وقد وضع قَدمًا فى النار بالفعل، يدلّ على أنه غير مُرتاح لما صار إليه، ويبحث عن مخارج غير ماسّة بالكرامة، أكثر من سعيه للتوغل والانخراط أكثر.

أمّا سوءُ النيّة؛ فيُحتَمَل معه أنه لم يتلقّ أية مُخاطبات، ويُعيد إنتاج الرسائل القديمة فى الزمان والمكان، انطلاقًا من أن دول المنطقة تسعى للتهدئة طوال الوقت، وغالبًا لن تنفى ما يُنسَب إليها فى هذا المقام.

وإلى ذلك؛ ثمة احتمال أن يكون الاتصال جرى فعلاً، إنما بعد تسريب معلومة للعواصم الثلاثة بشأن النوايا، التى لم تتجاوز حدّ النيّة على الأرجح، وكان القصد أن يُنتزَع الموقف منهم، بمعنى أنهم كانوا نافذة له، ومسرحًا لدراما التراجع وإرخاء الحَبل.

ووجه الافتراض هُنا؛ أن الجبهة ساخنة، والحرب لم تضع أوزارها بعد. وأىّ تفعيل لأدواتها الغليظة مُجدّدًا، يتطلّب جهدًا مُضاعفًا للخداع وتحقيق المُبادَأة، ولا يصحّ فيه التلميح أو التصريح.

وليس منطقيًّا بالمرّة، أن يلجأ للمراوغة فى السّعة، ثمّ يتحلّل منها فى وقت الضيق والانضغاط!

سبق أن استدرج رجال المُرشد إلى غُرف السياسة، فيما كان حلفاؤه الصهاينة يضعون خطط التصعيد، ويُنسّقون معه المواقف، كما جرى فى يونيو الماضى.
خمس جولات تفاوض، ومُهلة من شهرين، تحدّدت ساعة الصفر فى ختامها تمامًا، واستغرق الأمر بكاملها عشرة أسابيع قبل أن يكبس زرّ التبريد، ويُعيد المنطقة والخليج لِمَا كانا عليه.

ولم تختلف النسخة الثانية، استُدعى الأعداء إلى ورشة تفاوضية مُحسّنة. جولتان؛ ثم الثالثة فى السادس والعشرين من فبراير، مع الاتفاق على ترتيب موعد رابع؛ لتنطلق القاذفات بعد يومين فقط!

ما اهتم سيد البيت الأبيض برؤى أصدقائه الإقليميين، ولا راعى خواطر أحد فى الملفات المُشتعلة على امتداد المنطقة. والمَكرمة الأخيرة عن احتياج لا وفرة، ولفائدته لا لإعفاء الآخرين من كُلفة خياراته السيئة.

ستة أسابيع من القتال، أضرّت الدولة؛ ولم تكسر رأس الولى الفقيه، والتكرار لن يُغيّر الوقائع، كما أن الحصار يُجوّع ولا يُميت، فضلا على أنها بيئة اعتقاد، جرّبت واستعدّت، وتُدبّر أمورها بسُبل شتّى.

إيران مُكتفية ذاتيا من حاجاتها الأساسية، ولها منافذ برية وعلى بحر قزوين، وحلفاء يرفضون سقوطها، ومُنتفعون يتربحون من بقائها المُلتبس. والخلاصة أنها لن تُهزَم، ومقتل نظامها فى الداخل لا الخارج.

أُديرت جولتا تفاوض منذ توقف الحرب، بمُعدّل لفّة كاملة كل ثلاثة أسابيع. يقترح أحد الغريمين، ويرد الآخر، ثم ينتظر الردّ على الرد، قبل إعلان الفشل.
مرّة ويبدأ كأس العام فى الولايات المتحدة، وبعده واحدة أو اثنتان وتدخل البلاد فى جوّ الانتخابات النصفية.. وخسائر المُغامرة المؤكدة وقتها ستصير أضعاف عوائدها المأمولة أو الموهومة.

يكاد ترامب يُقرّ بالإخفاق لولا الخجل، والملالى وجنرالاتهم أيضًا. وسيبقون هكذا إلى أن تنفتح لهم نافذة عبر طرف ثالث، كالصين مثلاً، أو يرتاحون إلى الجمود، ويُطبّعون مع واقع الأزمة بالاعتياد.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة