شحاتة زكريا

مصر وأفريقيا.. شراكة الجغرافيا والمصير الواحد

الأربعاء، 20 مايو 2026 12:00 ص


لم تكن علاقة مصر بأفريقيا يوما مجرد علاقة جوار جغرافي أو ارتباط سياسي عابر بل كانت دائما علاقة تمتد إلى عمق التاريخ والمصير والمصالح المشتركة. فالقارة التي احتضنت الحضارات الأولى وربطت بين شعوبها أنهار التجارة والثقافة والكفاح تعود اليوم لتفرض نفسها مجددا في قلب المعادلة الدولية وسط عالم يعيد ترتيب خرائط النفوذ والتحالفات والمصالح..

وفي خضم هذا التحول الكبير تبدو مصر أكثر وعيا بحقيقة لا تقبل الجدل: أن أمنها واستقرارها ومستقبلها لا ينفصل عن أفريقيا وأن القارة السمراء لم تعد مجرد امتداد جغرافي جنوب الحدود بل شريك أساسي في صناعة المستقبل.. العالم اليوم ينظر إلى أفريقيا بعين مختلفة. لم تعد القارة في نظر القوى الكبرى مجرد منطقة تعاني الفقر والصراعات بل أصبحت أرض الفرص الكبرى.

ثروات هائلة وموارد طبيعية ضخمة وموقع استراتيجي بالغ الأهمية وأسواق واعدة وكتلة بشرية شابة تمثل طاقة هائلة يمكن أن تغير شكل الاقتصاد العالمي خلال العقود المقبلة.. ولهذا لم يكن غريبا أن تتحول أفريقيا إلى ساحة تنافس دولي واسع تتسابق فيها القوى الكبرى لمد نفوذها الاقتصادي والسياسي والعسكري. لكن وسط هذا التنافس يبقى الفارق بين من يبحث عن استغلال القارة ومن يسعى إلى شراكة حقيقية معها.

ومن هنا تحديدا تتحرك مصر برؤية مختلفة رؤية تقوم على فكرة التعاون لا الهيمنة والتنمية لا الاستنزاف والمصالح المشتركة لا المصالح المؤقتة. فالقاهرة تدرك أن استقرار أفريقيا ليس رفاهية سياسية بل ضرورة تتعلق بالأمن القومي المصري والعربي والأفريقي معا.

لقد أثبتت السنوات الأخيرة أن التحديات التي تواجه الدول لم تعد معزولة عن بعضها البعض. الإرهاب، والهجرة غير الشرعية، وأزمات الغذاء والطاقة، والتغيرات المناخية، كلها ملفات تتجاوز الحدود التقليدية للدول وتفرض نوعا جديدا من التعاون الإقليمي. ومصر كانت من أوائل الدول التي فهمت هذه المعادلة ولذلك أعادت بناء حضورها الأفريقي بصورة أكثر عمقا وفاعلية.. التحركات المصرية داخل القارة لم تعد تقتصر على الخطاب السياسي أو اللقاءات الدبلوماسية بل اتجهت نحو ملفات أكثر تأثيرا واستدامة من مشروعات البنية التحتية والربط الكهربائي إلى التعاون في مجالات الصحة والتعليم والطاقة والزراعة والتدريب ونقل الخبرات.


فالقاهرة تدرك أن بناء النفوذ الحقيقي لا يتم بالشعارات بل ببناء المصالح المشتركة التي يشعر بها المواطن الأفريقي على أرض الواقع. ولهذا أصبحت الشركات المصرية حاضرة بقوة في عدد من الدول الأفريقية تنفذ مشروعات تنموية وتشارك في إعادة بناء البنية الأساسية في رسالة تؤكد أن مصر لا تسعى فقط إلى دور سياسي بل إلى دور تنموي أيضا.


لكن أهمية أفريقيا بالنسبة لمصر لا تتوقف عند الاقتصاد وحده. فهناك بعد استراتيجي بالغ الحساسية يتعلق بالمياه والأمن الإقليمي. نهر النيل لم يكن يومًا مجرد مصدر للمياه بل كان دائما شريان حياة يربط مصر بعمقها الأفريقي. ولهذا فإن التعامل مع دول حوض النيل لا يمكن أن يقوم على الصدام أو فرض الإرادة بل على الحوار والتفاهم وبناء الثقة والمصالح المتبادلة.. وفي عالم مضطرب تتزايد فيه الصراعات الدولية تبدو أفريقيا أيضا واحدة من أهم ساحات المستقبل الاقتصادي. القارة تمتلك فرصًا هائلة في مجالات الطاقة والمعادن والزراعة والتكنولوجيا وهو ما يجعل التعاون معها خيارا استراتيجيا لا بديل عنه. ومصر بحكم موقعها وخبرتها وقدراتها تملك فرصة حقيقية لتكون بوابة للتعاون بين أفريقيا والعالم.. اللافت أن الرؤية المصرية تجاه أفريقيا أصبحت أكثر نضجا وواقعية. فلم تعد تقوم فقط على استعادة الدور التاريخي أو الحضور الرمزي بل على فهم متغيرات العصر.

فالعالم اليوم لا يعترف إلا بالمصالح والدول التي لا تبني شراكات اقتصادية قوية ستجد نفسها خارج معادلات التأثير.. ولهذا تسعى القاهرة إلى تعزيز التكامل الأفريقي ودعم مشروعات الربط والتجارة والبنية التحتية انطلاقا من قناعة بأن مستقبل القارة لن يُبنى بالتجزئة أو الصراعات بل بالتعاون والتكامل.. وربما أهم ما يميز التحرك المصري في أفريقيا أنه يتحرك بهدوء وثبات بعيدا عن الضجيج السياسي أو الاستعراض الإعلامي. فالقضايا الكبرى لا تحسم بالشعارات بل بالعمل طويل النفس وبالقدرة على بناء الثقة وتحويل العلاقات إلى مصالح حقيقية مستمرة.


وفي ظل التحولات الدولية الحالية تبدو الحاجة أكبر من أي وقت مضى إلى صوت أفريقي موحد قادر على الدفاع عن مصالح القارة في النظام العالمي الجديد. وأفريقيا التي عانت طويلا من التهميش والاستغلال تملك اليوم فرصة تاريخية لتكون شريكا فاعلا لا مجرد تابع في معادلات السياسة والاقتصاد الدوليين.. من هنا فإن العلاقة بين مصر وأفريقيا ليست علاقة ظرفية تفرضها المصالح الآنية بل علاقة مصير مشترك.

فكلما كانت أفريقيا أكثر استقرارا وقوة كانت مصر أكثر قدرة على مواجهة التحديات وبناء مستقبلها.. وفي النهاية يبقى الرهان الحقيقي ليس فقط على الجغرافيا بل على الوعي بحجم اللحظة التاريخية التي تعيشها القارة. فالعالم يتغير بسرعة ومن يدرك قيمة أفريقيا اليوم سيكون شريكا في صناعة عالم الغد.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة