محمود عبد الراضى

كيف أفسدت السوشيال ميديا القرى في الأرياف؟

الثلاثاء، 19 مايو 2026 03:00 م


كان الريف دائماً مرادفاً للسكينة، وملاذاً تبحث فيه النفس عن براءة الطين وخضرة القلوب قبل خضرة الأرض، لكن هذا الهدوء الأسطوري لم يعد صامداً، بعد أن تسلل وحش الإنترنت بشكل مخيف إلى بيوتنا الطيبة، ليتحول الفلاح الفصيح إلى كائن افتراضي، يقبع خلف شاشته الصغيرة على مدار الأربع والعشرين ساعة، غارقاً في بحر السوشيال ميديا الصاخب، ليتبدل مع هذا التسلل حال القرية، وتظهر عادات سلبية لم تكن يوماً من شيم أهلنا.

"الخضرة" التي كانت تسر الناظرين، تحولت إلى "حسرة" إلكترونية يغذيها رصد تفاصيل حياة الآخرين، و"المحصول" الذي كان ثمرة عرق الجبين، بات مجرد "محصول لايكات" يبحث عنه مدمنو الشو والشهرة.

انقسم أهل الريف بين أشخاص يمطروننا يومياً بسيل من المنشورات التافهة التي لا تسمن ولا تغني من جوع، وآخرين أرهقوا أنفسهم في تصوير تحركاتهم اليومية وعرضها للعامة، فضلاً عن مدمني "البث المباشر" الذين يخرجون علينا بـ "اللايفات" آناء الليل وأطراف النهار، في طمع محموم لحصد التفاعل، متناسين أن للبيوت حرمات وللأصول هيبة.

الخطورة الكبرى تمثلت في أولئك الذين ينسبون كل نجاح لأنفسهم في نرجسية فجة، يلهثون وراء بريق الظهور الكاذب، مما ترتب عليه اشتعال معارك كلامية حامية وطاحنة على صفحات فيسبوك، أفسدت طبيعة الريف الهادئ ونقائه.

تحولت جلسات المصاطب، التي كانت مكاناً للصلح والود، إلى ساحات نميمة رقمية قتلت الأصول والقيم الجميلة، وضاعت العادات الأصيلة وسط دوامات الشير، واللايك، والإيموشن، واللايف المتواصل.

لقد تلوثت الطبيعة الخلابة بغبار الشاشات المضيئة، وباتت الروابط الأسرية مهددة بالتمزق بعد أن سكن كل فرد جزيرته المنعزلة.

من هنا، نطلق صرخة مدوية: أنقذوا ريفنا الطيب الهادئ الأصيل من قسوة السوشيال ميديا وجفافها، أعيدوا للقرية وجهها الباسم، وللطين طهارته، وللناس ودّهم القديم قبل أن تجرف خوارزميات الإنترنت ما تبقى من كرم الأخلاق وسماحة الأصول في جموع ريفنا الطاهر.

 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة