حنان يوسف

الإعلام والأمن القومي العربي

الثلاثاء، 19 مايو 2026 08:00 م


يُعد الإعلام العربي سلاحًا قويًا قد يهدم وقد يبني؛ فقد يخلق سلامًا أو يبث كراهية، وبه نحمي الأمن القومي العربي، وبه أيضًا نخترقه. فأي نوع من الإعلام نريد في هذه المرحلة المصيرية المهمة لحماية الأمن القومي العربي؟

حيث يعمل الإعلام على تأطير المعلومات وتشكيل الوعي الجمعي العربي، ويتم ذلك إلى حد كبير من خلال وسائل الإعلام والقوة الناعمة، وقد ازدادت التحديات مع ثورة المعلومات والذكاء الاصطناعي، وما تتضمنه من انتشار المعلومات المغلوطة والمضللة.

وأصبح الإعلام الآن سلاحًا مهمًا من أسلحة النفوذ الاستراتيجي، وما يصاحبه من أجندات سياسية غربية ودولية، إلى جانب انتشار التفاهة والمحتوى السطحي الذي يدمر الهوية ويكرس صورة نمطية سلبية عن الإنسان العربي والإنجاز العربي.

وهنا يجب الانتباه إلى عدم الوقوع في فخ الاعتقاد بأن الإعلام أمر سطحي مباشر، لكن الحقيقة أنه حامل لاستراتيجية غربية دولية؛ فهو الأداة الأبرز الآن في تحقيق كثير مما نشاهده، وهو الظاهر على المشهد، لكن خلفه دول واستراتيجيات وميزانيات ضخمة لتحقيق أهدافها الكبرى.

فأين يقع الإعلام العربي في ظل هذه الدوائر الاستراتيجية؟

الحقيقة، وللأسف، أن الإعلام العربي إعلام «مفعول به»، إعلام رد فعل وليس إعلامًا فاعلًا، بعيدًا عن صناع القرار الحضاري لصالح الأمة. ويقابله موجات متزايدة من سطوة ما يسمى بإعلام مواقع التواصل الاجتماعي، وتدخل «المواطن الصحفي» في صناعة المحتوى والتفاعل معه، مع انخفاض درجة الوعي الإعلامي التي تسمح بفهم المحتوى بالشكل الصحيح، وانتشار السطحية والتركيز على التفاهات، والوقوع في فخ الانعزالية والسلبية.

واعتمادًا على ما صدر في تقرير أخير حول توجهات الاستراتيجيات الغربية في استخدام الإعلام لإنتاج ما يسمى «العالم المنقسم»، من خلال عدد من التقارير الإعلامية الدولية حول تغطية الإعلام في فترات الحروب وخلفيات هذه التغطية، التي تشير إلى نظرية تقسيم العالم العربي إلى أجزاء متناثرة، وزيادة جرعات العداء والكراهية، وتأجيج المشاعر السلبية والشحن بين الشعوب، من خلال زيادة الاعتماد على الخلايا الإلكترونية والذباب الإلكتروني، وكذلك استهداف المحطات الإعلامية وتدميرها خلال المعارك؛ فقد أكد التقرير أن المشهد الإعلامي يشير إلى وجود مؤامرة إعلامية تعتمد على إيقاع المواطن العربي في فخ الانعزال والانغلاق، عبر استخدام الميديا دون وعي، وهو ما يجب مواجهته بإعادة تعريف الحقيقة.

كذلك تشير ملامح دراسة حديثة تحت عنوان «إعلام الحرب بين الحقيقة والتزييف والأمن القومي» إلى رصد عدد من المتغيرات، منها تأثير التواصل الاجتماعي وتطبيقات الذكاء الاصطناعي على درجة مصداقية الإعلام في فترات الحرب، وكذلك التأجيج المستمر الذي نتج على مستوى المواطن العربي، والاستهداف المعلوماتي وفق جبهات المعركة، وتزايد دور «المواطن الصحفي» في التفاعل غير الواعي على منصات التواصل الاجتماعي، مما أثر سلبًا على صدق ودقة الأداء الإعلامي.

والتحديات التي تواجه الإعلام العربي عديدة، منها خضوع العديد من الدول العربية لقوانين رقابية تحد من حرية الإعلام وتؤثر على قدرته في تغطية قضايا الأمن القومي بشكل موضوعي. كما تعتمد العديد من القنوات الإعلامية العربية على التمويل الحكومي، مما قد يؤثر على استقلاليتها بدلًا من تقديم تغطية موضوعية. كذلك يركز الإعلام العربي أحيانًا على جوانب الإثارة المتعلقة بالصراعات، مما يؤدي إلى تضخيم المخاطر وتشويه صورة الواقع الأمني.

ومن التحديات التي يطرحها الإعلام الجديد وتمس الأمن القومي نشر الشائعات؛ إذ يمكن للإعلام الجديد أن ينشر معلومات خاطئة تؤدي إلى زعزعة الاستقرار الأمني.

كما يمكن للإعلام الجديد أن يؤثر سلبًا على الأمن القومي من خلال تقديم المعلومات بصورة غير صحيحة أو متحيزة، فضلًا عن إفشاء معلومات سرية قد تهدد الأمن القومي.

وعليه، فعلى الإعلام العربي المأمول أن يسعى، من خلال مضامين ومحتوى إعلامي جاذب، إلى توضيح عناصر الأمن القومي العربي، ومنها الأمن العسكري ومواجهة التهديدات الخارجية، والأمن الاقتصادي الذي يشمل تحقيق الاكتفاء الذاتي في الغذاء والطاقة، وتعزيز التعاون الاقتصادي والتجاري بين الدول العربية.

ثم الأمن السياسي، الذي يتضمن تحقيق الاستقرار السياسي في الدول العربية، وتعزيز الديمقراطية وحقوق الإنسان.

وكذلك الأمن الاجتماعي، الذي يشمل تعزيز التلاحم الاجتماعي، ومكافحة الفقر والبطالة، وتحسين مستوى المعيشة للمواطنين العرب.

أما الأمن المائي، فعلى الإعلام العربي أن يسعى إلى توضيح ضرورة حماية الموارد المائية العربية، وتعزيز التعاون في إدارة المياه.

وكذلك الأمن الغذائي، الذي يشمل تحقيق الاكتفاء الذاتي من الغذاء، وتطوير الزراعة والصناعات الغذائية.

وعلى الإعلام العربي، في خطته الاستراتيجية البنيوية، أن يركز على التحديات التي تواجه الأمن القومي العربي ومعالجتها؛ فدور الإعلام العربي في دعم الأمن القومي يعد موضوعًا حيويًا في العصر الحديث، ويمكن للإعلام العربي أن يلعب دورًا إيجابيًا أو سلبيًا في تشكيل الوعي المجتمعي حول قضايا الأمن القومي.

ومن أبرز هذه التحديات: رصد التدخلات الخارجية التي تتعرض لها الدول العربية من قبل قوى إقليمية ودولية، والنزاعات والصراعات الداخلية التي تعاني منها بعض الدول العربية، إضافة إلى الإرهاب والتطرف اللذين يشكلان تهديدًا للأمن والاستقرار في المنطقة، فضلًا عن التحديات الاقتصادية مثل الفقر والبطالة، والتغيرات المناخية التي تهدد الموارد الطبيعية.

ويجب أن يركز الخطاب الإعلامي العربي على فكرة تعزيز الأمن القومي العربي من خلال دعم التعاون والتكامل بين الدول العربية، وتفعيل دور المؤسسات العربية المشتركة، ومكافحة الإرهاب والتطرف، وتحقيق التنمية المستدامة، وحل النزاعات بالطرق السلمية.

فدور الإعلام العربي في تعزيز الأمن القومي مهم في نشر الوعي بين المواطنين حول أهمية الأمن القومي وكيفية مواجهة التحديات الأمنية، وتوعية المجتمع بأهمية الأمن السيبراني ومخاطر الاختراق الإلكتروني، ودعم جهود الدولة من خلال تقديم المعلومات الصحيحة والتحليلات الموضوعية.

ختامًا، نقول: لا يمكن إدارة معركة الوجود العربي المعرضة للخطر الآن دون السلاح الإعلامي؛ فنحن بحاجة إلى إعلام عربي واعٍ ومستقل يبرز قضايا الأمة، ويبعث الأمل في نفوس الشعوب والأجيال العربية القادمة، ويعزز الانتماء إلى مشروع حضاري عربي، من خلال إعلام يرسخ في الوعي الجمعي العربي أن كل ما يحيط به من وقائع، صغيرة كانت أو كبيرة، هو جزء من الأمن القومي العربي، الذي يجب التعامل معه بالوعي والمعلومة والإيمان برسالة مفادها ضرورة تحديث وتجديد الأمة العربية للحفاظ على الوجود العربي وتحمل المسؤولية التاريخية تجاه ذلك.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة