قطعت المنطقة شوطا طويلا مع الصهيونية، والبقية أطول. لحسن الحظ أنهم عاجزون عن شطب القضية، ولسوئه أن الصراع لن يُحسم للحق فى المدى المنظور.
كانت المعركة غير متكافئة منذ البداية؛ لكن الاختلال يتضاعف مع الأعوام.
وإذ يعود الأمر فى جانبٍ إلى أن العدو القوى يزداد قوة، فالآخر أن الضعفاء مغرقون فى الضعف، يبتدعون فيه، ولا يُفوّتون فرصة للتنكيل بالبلاد والعباد، وإعانة الظالم على المظلوم.
الغباء أن تُكرّر الأمر، بالأسلوب والخطوات، وتتوقّع نتائج مغايرة. يقول أينشتاين، ويصح القول؛ بغضّ النظر عن دقّة نَسبِه للقائل
وللمفارقة؛ فإنه الشخص الذى عُرِضت عليه رئاسة إسرائيل فرفضها، بادّعاء عدم الصلاحية ظاهرًا، وربما فى الجوهر لخلافه على الفكرة من الأساس.
المؤكد أنه لم يرَ نفسه سياسيا، أو يضع وهج السلطة فوق شغفه بالعلم؛ ولعلّه استشرف مآل التجربة، واستنكر على عبقريته أن تُوصَف بما سيَصِم أمثال بيريز وشارون ونتنياهو لاحقا، وتحاشى أن يؤذى سيرته أو يُؤنسن حلم اليهود بوحشيّتهم التوراتية.
ننظر من ناحيتنا؛ فنرى ضِباعا ومصّاصى دماء ونازيين. كلهم أشرار، أضرّوا بالجغرافيا والديموغرافيا البريئة، وسلبوا الطيّبين حقوقهم؛ غير أنهم منحوها لآخرين فوّضوهم فى الغصب باسمهم، وفى إقامة دولتهم على طلل الأغيار.
تُخفِق حكومة جولدا؛ فتُنسَى حصيلة ثلاثة عقود من جهد الآباء المُؤسّسين. يُفتَح الملف ويخضع الجميع للتحقيق، وتتبدّل تركيبة السياسة والحُكم من يومها للآن.
وسيتكرّر المشهد مع إدارة السابع من أكتوبر؛ ولو ماطلت بالتسويف والانتخابات. وعمّا قريب يُعيد الاحتلال هيكلة أبنيته ودوائر سلطته، ويفرز طبقة تستدرك على أسلافها، وتسد الثغرات، فى انتظار امتحان جديد.
الرزيّة كُلّها فى أبناء النكبة وضحاياها؛ إذ يُوجّهون طاقاتهم فى اتجاه خاطئ، أو يُمعنون فى نزعتهم الانتحارية، لمُجرّد إغاظة الغريم وإزعاجه؛ فكأنهم يُقايضون الاستعراض بالوجود!
جرّب حزب الله الذهاب لحروب غير مُبرّرة، وندم عليها؛ ثمّ كررها. أطلق «نصر الله» شرارة المواجهة فى 2006، وعلّق بعدها بأنه لو يعلم العاقبة ما أقدم على المُغامرة.
وبالحماقة ذاتها أعاد الكَرّة تحت عنوان «إسناد غزة»؛ بغض النظر عن الباعث، وهل بادر أم تلقّى أمرًا من مُشغّليه الإيرانيين!
وصاحبة الطوفان، حماس نفسها، استدعت إسرائيل للرقص واستجابت لدعواتها، وأدماها العدوّ الغشوم فى عدّة جولات؛ حتى أنها فى إحداها خلّت ساحته مع حركة الجهاد، ولم تتدخل مُطلقًا.
وتعود اليوم لإكمال مرافقها، وانتخاب بدائل عن هنية والسنوار وبقيّة الراحلين. وما يُؤسَف له وعليه؛ أن المنافسة تدور بين الحيّة ومشعل، الأول فى عقده السابع ومسؤول عن الإدارة السيئة بعد مُقامرة الطوفان، والثانى أسنّ منه وجُرِّب وفشل قبل عقود.
قرابة ثُلثى الفلسطينيين دون الثلاثين. شاخت القضية وغالبية أبنائها من الشباب، وهى أحوج ما يكون للإنعاش وتجديد الدم، وتغيير طبقة القيادة فى كل المستويات والأطياف، وإحلال من يمتلكون طاقة خضراء وخيالاً خصبًا.
تعهّد الرئيس عباس بالإصلاح ومُداواة السلطة؛ لكنه أصرّ على الترشح لقيادة «فتح» مُجدّدًا، ما يُنبئ عن رغبة فى الاستمرار على رأس الحقل، وقد افتتح عقده العاشر، أطال الله بقاءه ومتّعه بالعافية.
عُقِد المؤتمر الثامن بعد إرجاء وتسويف طويلين، وصوّت فيه مئات من الضفة وغزة والقاهرة وبيروت؛ فأعاد رجال «أبو مازن» إنتاج الهياكل القديمة، وانضمّ ابنه الثانى «ياسر» إلى اللجنة المركزية، أى عقل الحركة وغرفة الأسرار والقرار.
باستثناء تعيينه مبعوثًا له قبل سنوات، وإيفاده إلى لبنان فى العام الماضى لبحث مسألة جمع سلاح الفصائل الفلسطينية؛ فلا يُعرَف عن «سرّ أبيه» البالغ أربعًا وستين سنة سوى أنه رجل أعمال، يُدير مجموعات شركات بين رام الله والخليج، وتُقدّر ثروته بملايين الدولارات.
نجح حافظ الأسد فى توريث سوريا لابنه، الأصغر والأسوأ، بعدما نُقِل الرهان عليه لوفاة شقيقه الأكبر «باسل» فجأة فى حادث غامض. وبالرغم من الرخاوة والوعود وتفاؤل المُتفائلين، كشّر طبيب العيون عن أنيابه، وأودى بالشام للهاوية!
حالة التوريث الوحيدة الناجحة خارج الأنظمة الملكية فى المنطقة، انتهت بانتفاضة، فحرب أهلية، فصعود الدواعش على أكتاف البعثيين، وكلهم تُجّار خُطَب وشعارات.
المُحاولة ذاتها كانت بين أسباب عِدّة تضافرت لإنهاء نظام مبارك. فشلت باكرًا جدا فى العراق، وأودت بحياة القذافى وصالح فى الأمتار الأخيرة من تلزيم ليبيا واليمن إلى ولدين لا قيمة لهما سوى النسب!
ربما لم يُفكر عباس فى التوريث أصلاً. السياق مُختلف، والأجواء لا تحتمل؛ غير أن اتّقاء الشبهات من البداية كان يُوجِب عليه أن يُجنّب ابنه تماما، ولا يسمح له بأى نشاط رسمى، ناهيك عن أن مطالب الإصلاح لا تتناسب مع غلبة الشيخوخة وطابع الشلّة والعائلة.
والفارق غير بعيدٍ من حماس؛ إذ تستبدل بالرحم صِلة الأيديولوجيا ورباط المحاور الخارجية، فتُورّث بالجينات الإخوانية، وتوازنات الأجنحة بين تيّارٍ يميل إلى العثمانية الجديدة، وآخر مُستَتبَع لصالح الشيعية المُسلّحة.
لم يكن نعيم قاسم البديل الأفضل عن أمين حزب الله، أوّلا للعُمر وتواضع الإمكانات، وثانيا لأنه كان مُتّاحا أصلاً عندما اختير أربعة دونه: صبحى الطفيلى، عباس الموسوى، نصر الله، وهاشم صفى الدين. الأول يكبره، والثانى من عُمره تقريبا، والأخيران أصغر بنحو عقد أو يزيد!
لا مُبرّر إلّا أنه طيّع سمّاع للأوامر، وهدفٌ لا يُؤلِم إن طالته إسرائيل. لكنه عودة للوراء، ورسالة فجّة عن المُجاهرة بالانتماء لإيران لحمًا ودمًا على حساب لبنان، وعن الهِرَم والبطء، وعدم الاعتناء بالكفاءة أو الاهتمام بالمستقبل!
تبحث إسرائيل عن التغيير؛ بينما نتنياهو ناجح بكل الحسابات النفعية. ويعتصم المهزومون بوصفة الانكسار، يُقاتلون ويَقتلون لأجلها، قابضون عليها كأنهم مَنذورون للهلاك، أو مُوكّلون بالقضاء على أهلهم وذراريهم.
لم تُراجع حماس طوفانها للآن، ولم تعتذر، والحزب ماضٍ فى حماقاته، والحوثيون والحشد الشعبى وحرس الثورة والإخوان، وكل أطياف الأصولية المُتخادمة مع نظيرتها العبرية، والذين شاخوا مثلها فى أماكنهم، وإن رفعوا رايات مدنيّة.
زمان دوّار يتقلّب فيه مُدمنو الخطيّة على كل وجه؛ إلّا الاعتدال. لا انحلّت حماس أو أعادت الهيكلة، ولا دخل الحزب فى دين الدولة، ولم تَتّق السلطةُ فى شيخوختها ما عافَته فى عافيتها.
ولولا كراهة الوَصْم والتخوين وارتكاب ما يرتكبه أسافل الرجعية؛ لقُلت إنهم يلعبون عمدًا فى فريق العدو!