عند تعامل أي عمل فني مع التاريخ، فإنه يحتاج إلى معرفة حقيقية، وحساسية أخلاقية، ومرونة عالية في نقل الأفكار بصيغة تتناسب مع الزمن الذي يقدمه، إلى جانب اختيار تقنية سردية وفلسفة قادرة على الدمج بين وقائع التاريخ ومرونة الخيال؛ بهدف تجاوز السردية الوثائقية الجامدة، وإعادة استكشاف الماضي، واستنطاق المسكوت عنه، وإعادة كتابة الأحداث من زوايا نظر مختلفة.
ومن هذا المنطلق يمكننا النظر إلى فيلم «أسد» بطولة محمد رمضان، وتأليف محمد دياب وخالد دياب وشيرين دياب، وإخراج محمد دياب، فرغم أن الفيلم يقدم مستوى بصريًا لافتًا، ويمنح المشاهد صورة سينمائية متماسكة من حيث التكوين والأجواء، فإن أزمته الحقيقية تبدو على مستوى السرد؛ إذ يفقد الفيلم معناه تدريجيًا، ليس بسبب اختياراته التخيلية، وإنما نتيجة عدم وضوح المرجعية التي ينطلق منها.
العمل، منذ اللحظة الأولى، يعلن انتماءه إلى منطقة التخييل التاريخي، لكنه في الوقت نفسه لا يقدّم إطارًا تاريخيًا واضحًا، كما لا يذهب بشكل كامل إلى منطقة إعادة تأويل الماضي أو بناء رؤية فلسفية تنطلق منه، وحتى على مستوى الحبكات والنقلات الدرامية، تبدو كثير من التحولات منفصلة عن البناء العام، بما يجعل المعنى الذي يحاول صُنّاع العمل الوصول إليه يبدو مشتتًا.
تدور أحداث الفيلم في مصر خلال القرن التاسع عشر، داخل عالم تجارة النخاسة، متخيلًا حالة تمرّد تبدو—للوهلة الأولى—أقرب إلى أصداء ثورة الزنج التي وقعت في القرن الثالث الهجري في عاصمة الدولة العباسية آنذاك بغداد، وقادها علي بن محمد. غير أن الفيلم يعيد بناء هذه التمرد داخل سياق أقرب إلى عصر الأسرة العلوية، مع إشارات تحيل بصورة غير مباشرة إلى قرار إلغاء تجارة الرقيق الصادر في عهد سعيد باشا عام 1838، حتى وإن لم يذكر ذلك صراحة.
وتصل الأحداث إلى ذروتها عندما يقرر «أسد» (محمد رمضان) الزواج من «ليلى» (رزان جمال)، ابنة تاجر الرقيق «محروس» (كامل الباشا) الذي يعمل لديه، في وقت يسعى فيه شريكه «يكن» (علي قاسم) إلى الزواج منها أيضًا. وهو ما يدفع الطرفين إلى الانتقام من أسد عبر خصيه. وهنا تظهر الأزمة الأهم داخل الشريط السينمائي؛ إذ لا تحدد السردية خصمها الحقيقي بصورة واضحة. فلا يبدو ما إذا كان الصراع موجّهًا بالأساس ضد تجار النخاسة، أم ضد المتواطئين معهم، أم ضد السلطة نفسها بوصفها بنية سياسية واجتماعية أوسع. ونتيجة لذلك، يظل الصراع معلقًا دون مركز درامي محدد.
كذلك واجه الفيلم إشكالًا آخر يتعلق بدافع البطل نفسه؛ فهل تحرك «أسد» جاء دفاعًا عن الحرية باعتبارها قضية جماعية؟ أم أن رحلته مدفوعة بالبحث عن ابنه المخطوف؟ أم أن الأمر تحول إلى فعل ثأري مرتبط بما حدث له ولزوجته؟ وهي دوافع تمنح الشخصية أبعادًا مختلفة، لكنها لا تتكامل داخل مسار واحد، فتبدو أحيانًا متجاورة أكثر من كونها متداخلة. حتى الخط الرومانسي نفسه يظهر في بعض اللحظات مشوشًا داخل السياق العام، أو مقحمًا على مسار الأحداث.
ولعل هذه الإشكالية تتسع مع الصورة الاجتماعية التي يقدمها الفيلم؛ إذ تبدو مصر داخل العمل وكأنها منقسمة إلى طرفين فقط، تجار الرقيق والعبيد، بينما يغيب المجتمع الأوسع بطبقاته وتناقضاته، ونتيجة لذلك، يفقد العالم الدرامي جزءًا من تعقيده، وتحول الصراع إلى مواجهة ثنائية تختزل واقعًا تاريخيًا أكثر تركيبًا.
أما على مستوى البناء، فلا تبدو أزمة «أسد» في اختياره للتخييل التاريخي، بقدر ما تكمن في حالة الالتباس الذي وضع فيها صناع الفيلم، المتلقي؛ فهو لا يذهب كاملًا إلى التاريخ، ولا ينحاز تمامًا إلى الخيال، ولا يبلور رؤية فلسفية واضحة تحمل السردية السينمائية. وهكذا، تتوزع المعاني والدوافع بين أكثر من مسار، دون أن تنجح في الالتقاء داخل فكرة مركزية تمنح الفيلم وحدته ومعناه.
بشكل عام، تبدو أزمة «أسد» في أنه ظل معلقًا بين أكثر من شكل؛ فالعمل يستعير ملامح الفيلم التاريخي، ويقترب من التخييل والفانتازيا، ويلامس في بعض لحظاته الطابع الملحمي، دون أن يحسم انتماءه الكامل لأي منها. لذلك بدا الفيلم وكأنه يمتلك عوالم متعددة، لكنه لا يمنح أيًا منها المساحة الكافية للاكتمال. كما لا يبدو قادرًا على حمل بعد فلسفي واضح، أو بلورة رؤى تعبّر بصورة كاملة عن الطرح الذي حاول صُنّاعه تأسيسه.
على مستوى الحوار، لم ينجح الفيلم دائمًا في حمل ثقله التاريخي أو الفلسفي؛ إذ بدت بعض الجمل أقرب إلى أداء وظيفي يدفع الحدث، أكثر من كونها أداة تكشف الشخصيات أو تعمّق الصراع. كذلك جاءت اللغة، في كثير من الأحيان، في حالة خصام مع الزمن السردي؛ فبرغم أنها تبدو موجهة إلى المتلقي المعاصر، فإنها بدت سطحية في عدد من السياقات، وغير منسجمة مع طبيعة الصراع الذي يطرحه العمل في بعض مشاهده.
كذلك غابت عنها الرؤى الفلسفية القادرة على منح الفيلم بعده الملحمي، لتصبح اللغة أكثر ميلًا إلى التعبير المباشر، بدلًا من أن تتحول إلى حامل للأفكار والدلالات التي يحاول النص تأسيسها.
ربما يكون الجانب الأكثر لفتًا داخل العمل هو تكوينه البصري، والصورة السينمائية التي حملت قدرًا كبيرًا من الجماليات والحلول التقنية، واستطاعت—بشكل يفوق السردية نفسها على مستوى السيناريو والحوار—أن تقدم تصورًا بصريًا مقنعًا لزمن الحكاية وعالمها.
كما نجح مخرج الفيلم محمد دياب في توظيف ديكورات بدت منسجمة مع الحقبة الزمنية التي تدور فيها الأحداث، دون أن تدخل في صدام مع الطرح الفني. كذلك جاءت الألوان بوصفها عنصرًا دلاليًا يعكس الصراع القائم بين العبيد وتجار النخاسة، وحملت أحيانًا رؤى جمالية وفلسفية بدت أكثر وضوحًا من تلك التي قدمها النص نفسه.
وهى عناصر تُحسب للإخراج بكل تأكيد، لكنها في الوقت نفسه تكشف عن مفارقة واضحة؛ إذ بدا المكون البصري أكثر اكتمالًا من المكون السردي، دون أن ينجح الفيلم بصورة كاملة في خلق حالة اندماج بين الاثنين.
كذلك جاءت موسيقى هشام نزيه لتقدّم سردية موازية منحت الفيلم بعدًا ملحميًا متسقًا مع تكوينه البصري، وهو الجانب الذي لم ينجح النص في بلورته بالقدر نفسه، فقد بدت الموسيقى معبرة عن طبيعة الصراع القائم، وناقلة لكثير من المشاعر المتباينة التي تحكم الشخصيات والعالم الدرامي؛ ما بين الحب والكراهية، والقلق والتوتر، لتصبح في بعض اللحظات حاملًا دراميًا للمشاعر أكثر من الحوار ذاته.
تمثيليًا، ظهر محمد رمضان بأداء متوازن إلى حد كبير، وبدا أكثر ميلًا إلى ضبط أدواته والابتعاد عن الأداءات المبالغ فيها التي وقع فيها في بعض أعماله السابقة. كما جاءت تعبيراته منسجمة مع التعقيدات الدرامية التي تحملها الشخصية، واستطاع أن يمنح «أسد» حضورًا يتناسب مع التحولات التي يمر بها داخل السردية.
كذلك برز علي قاسم ضمن عناصر الأداء؛ إذ نجح في التنقل بين مساحات شعورية متباينة ومتناقضة، واستطاع تجسيد الجانب العدائي داخل العمل بأداء أظهر قدراته التمثيلية بوضوح. غير أن الشخصية نفسها بدت وكأنها فقدت جزءًا من خلفيتها البنائية، فلم تُمنح العمق الكافي الذي يسمح لها بالاكتمال الدرامي، وهو ما انعكس على حضورها وأفقدها بعضًا من وهجها.
بشكل عام، لا يمكن للتكوين البصري والموسيقى التصويرية وحدهما أن يحملا نجاح العمل فنيًا؛ إذ إن غياب الرؤية الواضحة وتشتت الطرح أفقدا الفيلم كثيرًا من إمكاناته. فبرغم أن الموسيقى حملت بعدًا ملحميًا، وحاولت الصورة ترسيخه بصريًا، فإن النص لم ينجح في منحه المساحة الكافية للتطور، وبدا متعثرًا في التعبير عن أفكاره ودوافعه. وهكذا، تنحاز تجربة «أسد» بصورة واضحة إلى الجانب البصري والجمالي، لكنها تدخل في حالة من عدم الاتساق مع بنيتها السردية؛ لتبدو الصورة أكثر اكتمالًا من الحكاية، وأكثر وضوحًا من الرؤية التي حاول الفيلم الوصول إليها.