بعد حرب الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، عاد الحديث مجددًا عن الأسلحة النووية وتأثيرها المدمر، خاصة مع التصريحات الأخيرة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي تحدث عن ما وصفه بـ«الغبار النووي» الإيراني، في إشارة إلى اليورانيوم المخصب، وسط استمرار الجدل الدولي حول البرنامج النووي الإيراني.
ومع تصاعد المخاوف المرتبطة بالحروب النووية الحديثة، عادت إلى الواجهة أيضًا نظريات قديمة تزعم أن الحضارات القديمة ربما عرفت بالفعل نوعًا من أسلحة الدمار الشامل قبل آلاف السنين، مستندة إلى نصوص وأساطير تاريخية وآثار غامضة.
لكن هل توجد أدلة حقيقية على ذلك؟ أم أن الأمر مجرد خيال تاريخي أعيد توظيفه في الثقافة الشعبية؟
المهابهاراتا و«ألف شمس»
واحدة من أشهر الروايات التي يستند إليها مؤيدو هذه الفرضيات ترتبط بملحمة المهابهاراتا، وهي نص سنسكريتي قديم ضخم يتحدث عن حروب وأساطير دينية.
وبحسب موسوعة "العلوم الحقيقية" يروج البعض لفكرة أن الملحمة تصف انفجارًا نوويًا، مستشهدين بعبارات تتحدث عن «ضوء أشد سطوعًا من ألف شمس»، وسقوط الشعر والأظافر، ودمار شامل يشبه آثار الإشعاع النووي.
لكن الدراسات النقدية للنصوص القديمة تشير إلى أن هذه الاقتباسات جرى تحريفها أو إخراجها من سياقها الحقيقي. فبحسب باحثين متخصصين، فإن عبارة «ألف شمس» لم تكن وصفًا لانفجار، بل جزءًا من وصف ديني لتجلي الإله «فيشنو»، بينما لم ترد في النصوص الأصلية أي إشارات فعلية إلى أسلحة نووية أو إشعاعات.
كما أن الحديث عن سقوط الشعر والأظافر لم يكن مرتبطًا بحرب، بل بوصف نذير شؤم ورد ضمن أحداث رمزية داخل الملحمة.
موهينجو دارو.. المدينة التي قيل إنها «ضُربت نوويًا»
وتنتقل النظرية بعد ذلك إلى مدينة موهينجو دارو، إحدى مدن حضارة وادي السند القديمة، حيث زعم بعض الكتاب أن المدينة تعرضت لانفجار نووي قديم دمّر سكانها.
واستند أصحاب النظرية إلى العثور على هياكل عظمية متفرقة داخل المدينة، وإلى وجود آثار لما سموه «تزجيجًا» للحجارة بسبب الحرارة العالية، إضافة إلى مزاعم عن مستويات إشعاع مرتفعة.
لكن علماء الآثار رفضوا هذه الادعاءات، موضحين أن عدد الهياكل المكتشفة كان محدودًا جدًا، وأنها لا تعود إلى زمن واحد، بل تفصل بينها مئات السنين، كما أنها دُفنت بشكل طبيعي ولا تحمل آثار موت جماعي مفاجئ.
أما ما وُصف بـ«التزجيج»، فقد تبين أنه ناتج عن فخار تعرض للنار أثناء صناعته، وليس دليلًا على انفجار هائل. كما لم تُثبت أي دراسات علمية وجود إشعاعات غير طبيعية في الموقع.
لماذا تنتشر هذه النظريات؟
يرى باحثون أن الربط بين الأساطير القديمة والأسلحة النووية الحديثة يعود إلى تأثير الخيال العلمي والثقافة الشعبية، خاصة بعد ظهور القنبلة النووية في القرن العشرين وما صاحبها من خوف عالمي من الدمار الشامل.
كما ساهمت بعض الكتب والبرامج التي تتبنى نظريات «الحضارات المفقودة» و«الفضائيين القدماء» في نشر هذه الفرضيات، رغم غياب الأدلة العلمية الموثوقة.
بين الحقيقة والأسطورة
ورغم أن الحضارات القديمة عرفت بالفعل أسلحة وحروبًا مدمرة بالنسبة لعصورها، فإن معظم المؤرخين وعلماء الآثار يؤكدون أنه لا يوجد أي دليل علمي حقيقي على امتلاكها تكنولوجيا نووية أو أسلحة مشابهة للقنابل الحديثة.
لكن استمرار هذه القصص يعكس شيئًا آخر؛ وهو أن فكرة «الفناء الشامل» ظلت دائمًا حاضرة في خيال البشر، من الأساطير القديمة حتى الحروب النووية المعاصرة.