حازم حسين

غباء الأعداء لا ذكاء نتنياهو

الأحد، 17 مايو 2026 02:00 م


لا يربح المحاربون بما يجيدونه فقط؛ إنما بما يُخفق فيه الخصوم، وربما بدرجة أكبر. وقد يكون الذهاب للميدان منذ البداية، بالدعوة إلى الرقص أو التجاوب معها، أكبر الخطايا على الإطلاق!


يصح الجزم فى حال حماس، وجنايتها على غزّة والفلسطينيين عمومًا، كما ينطبق على حزب الله، كيانًا وأفكارًا وخنجرًا فى الخاصرة، وما لبنان ومأزقه الراهن إلّا صورة محفورة بالحديد والنار عن كُلفة المُقامرة والاستتباع.


ويتّصل الحبل بلا انقطاع إلى رأس المُمانَعة فى إيران، وقد نزفت دمًا وصديدًا من المركز والأطراف، وخسرت أُصولاً موّلتها بثروات شعبها، وقضت عقودًا تُراكم فيها، وتُرصِّصها جدارًا بعد جدار.


ويقف الصهاينة وراء المآسى المُتتابعة، والمشبوكة معًا بخيط واهٍ من الأيديولوجيا والشعارات.
لكنّ المُحتل لم يطرأ على المشهد، ولا كُنّا نتحسّس تضاريسه الخفيّة عنّا، أو نفتقد الدليل على وحشّيته وأطماعه، ويُسأَل عن تمدُّده الواسع مُؤخّرًا، مَن فتحوا له السكك المُعطّلة، وأمّنوا الذرائع بوفرة وكرم غبيَّيْن.


تُوشك هُدنة إيران على إغلاق أسبوعها السادس، وتحترمها إسرائيل اضطرارا؛ لأن الإرادة الأمريكية انصرفت للتهدئة، واختبار آفاق الدبلوماسية على ضيقها، بعدما تعذّر الحسم بأدوات القتال.


غير أن الانضباط نفسه لا يُلتَزم على الجبهة الشمالية، وقد صار عُمر التهدئة شهرًا، وتقرّر تمديدها ستّة أسابيع إضافية، بحسب ما أُعلِن من واشنطن عقب جولة ثالثة بين سَفيرَى بيروت وتل أبيب.


ولا يختلف الوضع فى الجنوب. فالعدوان على غزّة توقف نظريًّا منذ أكتوبر، بموجب خطة ترامب واتفاق شرم الشيخ؛ إنما لم تتجمّد بيئة النكبة الثانية تمامًا، وتواصلت خروقات الاحتلال؛ وإن جاءت معطوفة أحيانًا على مماطلة الفصائل.


أحدث الوقائع تمثّلت فى اغتيال عزالدين الحداد، القيادة الميدانية للقسّام، وأرفع الباقين تقريبًا من الدائرة العُليا، وكبار مسؤولى الحركة وعملية طوفان الأقصى مع السنوار.


قُتِل الرجل فى بناية باقية من حى الرمال، أفخم مناطق القطاع. كأنه عاد لممارسة حياته الطبيعية، مُطمئنا لعدوٍّ لا يصون عهدًا، ومُعتبرا أن قيامة السنوات الثلاث الماضية كانت فاصلاً فى زواج الأُصولية على الجانبين.
سبق أن تربّح اليمن الإخوانى/ الحماسىّ، من اليمين القومى والدينى ممثلا فى الليكود وحلفائه التوراتيِّين. رُحِّب بانقلاب الحركة على السلطة، ومُكِّنت من القطاع. مُرِّرت الأموال، وتضخّمت قواها تحت سمع الأجهزة العبرية وبصر قادتها الأمنيين والسياسيين!
يُحال الاغتيال الأخير إلى نهج إسرائيلى لا يلتزم بالتعهدات، كما يؤكِّد أن نتنياهو أُجبِر على الصفقة، ولم يذهب إليها راضيًا.
لكن الإشارة الأهم أن اليهود لن يتخلّوا عن تعقُّب مسؤولى هجمة الغلاف جميعًا، ويحملون الملف ثأرًا مُعلّقًا فوق الرؤوس، فيما يُكمل الحماسيون حماقاتهم دومًا بحماقة أكبر، ويُعقّبون على الاندفاع الجهول بالركون الكسول.
الحركة تنتخب رئيسها اليوم، والمُفاضلة بين "مشعل" الذى اعتبر الكُلفة الباهظة بشريا وماديا مُجرّد خسائر تكتيكية، و"الحيّة" الذى عاون السنوار وناب عنه، ولا يُميّزه عن سابقيه ومُجاوريه من الصقور؛ إلّا صوته الخافت وابتسامته الصفراء.
سلّم الوفد المفاوض بخطّة من عشرين بندًا، وقّع عليها كلها بما فيها نزع السلاح، ثم ماطل فى التفاصيل، وما زال، ويشدّ الحبل مع الصهاينة كأنهم سيتعبون أو يملّون. وكانوا يقضمون 53% من الشريط الضيق؛ فزادوها لـ60%.


وليس الحل فى التسليم قطعًا، ولا فى التقيّة وشراء المُهَل، وإخفاء عكس ما يظهر؛ لأن ميزان القوّة ليس فى صالح الضعيف، والوقت سيف على رقبة الجوعى المُشرّدين.


والقضية كلها معروضة فى الهواء، وما لم تُستَدرَك بصيغة إدارية تُبقيها موصولة بالسلطة والضفة، فقد لا يبقى ما يختلف عليه مُقاومو المحاور الخارجية مع "فتح" ومنظمة التحرير.


شىء يُشبه ذلك يدور وراء الليطانى. تحرّر جنوب لبنان قبل أكثر من رُبع القرن، بانسحابٍ من طرف واحد، لأسبابٍ جيّرها الحزب كاملة لصالحه، وتقبّل اللبنانيون والعرب سردية مُحرّفة، سرعان ما صُرِفَت فى الداخل، وانتهكَتْ البلد وصولاً لقتل رئيس حكومته فى قلب العاصمة.


وللمُداراة على أنياب الوحش ودم ضحاياه، اختُرِعت حرب يوليو 2006، وأبدى "نصر الله" ندمه على اصطناعها، كما تقبّل إيقافها بقرار مجلس الأمن 1701، وما يُرتّبه عليه من ضغوط تنتهى بنزع السلاح تمامًا.


المهم؛ أنه استعاد الاحتلال ومكّنه بأكثر ممّا كان يحلم عُتاة مُتطرفيه.. أدخل الصهاينة باسْم إسناد غزة، ووسّع وجودهم بإسناد إيران، وما أسند إحداهما ولا وفّر البلد من النزق والخيانة، والارتهان لأجندات ومصالح خارجية.


فوّض الحزب أخاه الأكبر، نبيه برّى، وتقبّل اتفاق الهُدنة فى نوفمبر 2024 بكل ضغوطه، ثم نقضه فى مارس عندما أمرته طهران، وصمت مُجدّدًا، باستثناء مناوشات لا تُرَى، عندما ربط الإيرانيون جبهته بجبهتهم قبل لقاء الأمريكيين فى باكستان.


يُعَرِّض بذهاب الدولة للتفاوض المُباشر؛ لكنه يقبله تحت ظل المُرشد الأعلى. الخلاف على المسار لا المبدأ، وعلى المُمسك بالقرار لا طبيعته. ولا يضعُ الاستقلال فوق الاحتلال؛ إنما يُفاضِل فى هويّة المُحتل فحسب.


أتحفَ نعيم قاسم الجميع مؤخّرا بإحدى إبداعاته المُتناقضة. يقول إن السلاح مسألة داخلية، وعندما يتحدث الرئيس والحكومة عن حصره بيد الدولة، يُخوّن ويُصَهيِن السلطة، مُلتحفًا بشعار المقاومة، وليس لأحد أن يتدخّل.


وأقرب مثال؛ أنه يختطف الطائرة بركابها، ويُنكِّل بهم كيفما شاء، بدعوى أنهم من عائلة واحدة.
تتقدم إسرائيل بفارق القوّة، وبالدعم الغربى؛ إنما يعود جانب من إحراز أهدافها وأكثر، إلى غباء الأغيار لا ذكائها، وهداياهم المجانية لها، والإصرار الغبىّ الغشوم على تكرار الأخطاء نفسها، مع توقّع نتائج مُغايرة.


قدّم ائتلاف نتنياهو قانونا لحل الكنيست، تمهيدًا لتبكير الانتخابات. لوّح ساسةٌ وجنرالات من تيّاره بقُرب إحماء النار مُجدّدًا مع إيران. يُناور على كل الجبهات، ويُقيّد خصومه من الداخل والخارج بكل الوسائل.


يحتاج القانون وقتًا فى قراءاته المُتتابعة، ما يعنى أن الصناديق لن تتقدم سوى عدة أسابيع عن نهاية ولايته فى أكتوبر.
إمساك بالتقويم، وحرمان لمنافسيه من الدفع نحو الحل، وتجديد لشرعيته أمام بيئته برفض إعفاء الحريديم من التجنيد، ولشرعية الأحزاب التوراتية التى ضحّت بالتحالف لأجل التوراة، أى أنهما ماضيان نحو الشراكة مُجدّدًا.


يُواصل الكرّ والفرّ سياسيا مع لابيد وبينيت وغيرهما، وصراعات السابع من أكتوبر ولجان تحقيقه، وفى الحرب مع المُمانَعة بأطيافها، ويتقدّم على الجميع.
ماكر، مُجَرِّب، وله باع طويل؛ لكنه ليس الأكثر حيوية وكفاءة واتّقاد ذهن. عجوز يواجه جُثثا ومومياوات وفاقدى أهلية، لا أكثر ولا أقل.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة