د.إيمان يسرى

الهوية الصوتية والبصمة السمعية

الأحد، 17 مايو 2026 03:12 ص


أغمض عينيك صديقي القارئ وركز جميع حواسك على سمعك، وأخبرني ماذا تسمع وأنت في موقعك الحالي؟ قد يسمع البعض صوت ضوضاء مرتفع، أو هدوء تام، أو صوت الطبيعة الذي يشمل أصوات العصافير والأشجار، أو صوت رياح شديدة أو أمطار غزيرة، إلخ.
يعتمد ما تسمعه، بشكل كلي، على موقعك الجغرافي الحالي والتوقيت الفعلي الذي توجد به في ذلك الموقع، فإذا كنت في العمل وموقع عملك في الصحراء فقد تسمع أصوات المصانع والمعدات من حولك، وإذا كنت في المنزل ويطل منزلك على موقع ساحلي، فقد تسمع صوت تلاطم الأمواج وحفيف الرياح. أما إذا كان منزلك يقع في منطقة شعبية أو في سوق عمومي، فقد تسمع أصوات الباعة والجيران والميكرفونات الصاخبة والمتجولين في السوق. وإذا كان منزلك يطل على طريق سريع مفتوح، فقد تسمع صوت السيارات المارة على الطريق، وهكذا.
كل ما تسمعه صديقي القارئ يُشكل "هوية صوتية" أو "بصمة سمعية" للمكان الذي توجد فيه، فإذا قمت بتعصيب عينيك وطلبت من أحد زملائك أن يقود بك إلى أماكن تعتاد الوجود بها، فستتعرف أذنك على المكان الذي أخذك إليه دون أن يخبرك بذلك. وبالتالي، فإن لكل مكان وموقع بصمة صوت خاصة به (Sound Imprint).


كما تستخدم "الهوية الصوتية" (Sonic Branding) في المجالات التجارية والصناعية، حيث تعتمد على مجموعة من العناصر الصوتية والمؤثرات الموسيقية المصممة خصيصًا لتمثيل علامة تجارية بعينها، وتهدف لوصف قيم الشركة وشخصيتها وتمييزها عن المنافسين. وذلك بهدف ترسيخها في ذاكرة الجمهور، وإنشاء رابط عاطفي وذهني سريع معه، عبر مختلف وسائل العرض والتشغيل. مثل؛ الأغاني التجارية، والأصوات المميزة للتطبيقات الإلكترونية المختلفة، ونبرة صوت المعلق الصوتي في الإعلانات، والشعارات الصوتية (Audio Logos)، والجمل الموسيقية القصيرة والمميزة (مثل: صوت تشغيل الويندوز، وتطبيق نتفليكس). وأيضا الأفراح، لها هوية صوتية تختلف باختلاف طبقات الأفراد في المجتمع، كما تختلف باختلاف الثقافات في الدول المختلفة.


في أحد الأيام تمت دعوتي لحضور عرض فني بعنوان "بصمة صوت"، ولا أُخفي عليكم سراً، فقد انتابتني الغيرة من اسم العرض، فكيف يصبح تخصصي العلمي النادر الذي أفخر وأعتز به وأعمل به منذ ما يقرب من 20 عام، مجرد اسم لعرض فني مدته لا تتجاوز الدقائق المعدودة. ولكني شعرت بقليل من الراحة من ترجمة اسم العرض إلى اللغة الإنجليزية (Sound Imprint)، وأنه ليس ((Voice Print، حيث إن معنى الكلمتان ومضمونهما يختلف كليا عن بعضهما. لأن كلمة (Sound) تدل وتعبر عن أي صوت غير بشري في العموم، بينما كلمة (Voice) تدل على الصوت البشري بشكل خاص ومميز.


أما عن عرض "بصمة صوت"، فإنه يعتمد على تقديم الأصوات الحية الحقيقية لكل حي من أحياء محافظة الإسكندرية، ويركز على الهوية الصوتية لأشهر الأحياء والشوارع بالمحافظة. حيث يُشغِّل مقدم العرض شرائط كاسيت مسجلة لأصوات حقيقية من مناطق مختلفة، ويمزجها مع مؤثرات صوتية وآلات موسيقية حية لتصبح لائقة لمستوى العرض الفني. ويُخمن الحاضرون اسم الحي أو الشارع أو المنطقة من خلال أكثر الأصوات المميزة لها على مدار سنوات، فقد تشتهر بعض الشوارع بصوت مرور ترام الرمل، أو صوت بائع مشروب العرق سوس، أو صوت البحر، أو صوت صفير معين ومميز خلال توقيت محدد، وهكذا. وتقوم فكرة العرض على امتلاك كل منطقة لـ "بصمتها السمعية" الناتجة عن تداخل العوامل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية لصنع شريط صوت حيّ يعيد تركيب المشهد السمعي لمحافظة الإسكندرية. ومنه، يتحوّل المزج إلى فعل إصغاء يعيد اكتشاف المدينة عبر ما يُسمع وما يُتخيَّل، كأن الصوت نفسه هو الخريطة التي تكشف عن تردداتها الخفية.


جدير بالذكر إن مقدم العرض هو الفنان "أسامة حلمي"، المشهور بـ "ؤزؤز"، ويشاركه في تنفيذ الإضاءة "محمد جابر" المشهور بـ "بورا"، في أداء فني مختلف ومجهود متميز يظهر في دمج الأصوات الحية مع بعضها ومع الآلات الموسيقية، كي يعيش الحاضرون تجربة فنية متميزة لبضع دقائق تأخذهم من مكان إلى أخر وتتنقل بهم إلى مواقع وشوارع مختلفة داخل محافظة الإسكندرية، رغم وجودهم الفعلي في مكان واحد وفي موقع محدد.


تأثير الهوية الصوتية على الفرد كل ما تسمعه صديقي القارئ، حتى إن كنت لا تدركه، فإنه بالطبع، يؤثر فيك سلبا أو إيجابا. فكلا من "الهوية السمعية" و"الهوية الصوتية" يعملان على إدراك الجسد لمفهوم اختلاف الليل والنهار. حيث يتميز النهار سمعيا بالصوت والحركة، بينما يتميز الليل سمعيا بالهدوء والصمت. فإذا كنت إنسان يعتاد النوم بالليل في الهدوء، ويعمل بالنهار، فإنك تجد صعوبة شديدة في النوم بالنهار، مهما كنت متعبا! وعلى العكس، إذا كنت تعمل في الليل وتنام في النهار، فإنك قد تجد صعوبة شديدة في التفاعل والتواصل بالنهار لعدم قدرتك على التركيز، لإن فسيولوجية جسدك اعتادت على التركيز والعمل في الليل فقط، والراحة والنوم بالنهار في الضوضاء!


وعلى صعيد أخر، إذا كنت معتاد لسنوات طويلة على السكن في حي شعبي يتميز بصوت صياح الديكة منذ بزوغ الفجر، ثم انتقلت للسكن في مجمع سكني فاخر في منطقة هادئة وبعيدة، فربما يصبك الأرق! وتأخذ وقتا طويلا لتعتاد على المكان والموقع الجديد، كي تنام وتستيقظ في مواعيدك الطبيعية براحة، رغم أنك لم تذهب إلى دولة أخرى ولا يوجد فرق توقيت بين مكانك السابق وموقعك الحالي، إلا أن فسيولوجية جسدك وسمعك ستتخذ وقتا طويلا أو قصيرا (كلٌ حسب شخصيته وطبيعته في التكيف والتأقلم) كي تعتاد على موقعك الجغرافي الحالي وبصمته السمعية وهويته الصوتية. وكذا إذا انتقلت من دولة إلى أخرى، فبعض الأشخاص في الدول الصاخبة (مثل الهند أو مصر أو الدول الإفريقية) يواجهون صعوبة شديدة في التأقلم على العيش في دول هادئة (مثل الصين أو اليابان أو كندا). وعلى صعيد أخر، فقد يضطر بعض البشر إلى الهجرة من دولهم الصاخبة للعيش في دولة هادئة، لعدم قدرتهم على تحمل الضوضاء طوال الوقت!


صديقي القارئ، أحرص دائما على أن يكون لك "هوية صوتية" تميزك ويعرفك من خلالها الأخرين، وركز دائما في "البصمة السمعية" للمكان والموقع الذي توجد فيه، لأن ذلك سيؤثر حتما على حالتك النفسية والعصبية.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة