لم ننتهِ من أزمة طبيب الخزعبلات الراحل، والذى تسبب فى تدمير مرضى وأطفال وكبار، حتى وجدنا أنفسنا أمام عصابات الإرهاب العلنى، والتى تحاول تخويف الناس، بجانب منتفعين منهم مقربين من الراحل يحاولون تحويله إلى نبى بهدف التربح من صفحات لا تزال تلقى مشاهدات ومتابعات من المخدوعين وأنصار «الهيصة». وأكثر ما يجمع نماذج مدعى القضية، أنهم يجمعون بين الفجاجة والبلطجة والادعاء والصوت العالى، ومع ذلك نؤجل هذا النقاش إلى مرحلة أخرى، ونلفت نظر الجميع إلى ظاهرة أكثر خطرا على العدالة والمجتمع، وهى ظهور متهمين أو محامين يترافعون أمام منصات التواصل، أو مواقع تسارع بنشر مرافعات لطرف واحد من دون الطرف الآخر، الأمر الذى يصنع تعاطفا مع طرف فى مواجهة طرف آخر لم يره الناس ولم يسمعوه، والواقع أن ما يتم علنا على مواقع التواصل الاجتماعى، جرائم تحتاج إلى تطبيق حاسم للقانون وليس ترك هؤلاء المجرمين مطلقى السراح، ولسنا بحاجة لمزيد من القوانين لكننا بحاجة إلى تطبيق القانون لحماية الناس من المرضى والمجرمين، ومن أنفسهم وأوهامهم.
ولم تكن قضية طبيب الخزعبلات أغلقت حتى ظهر متهم أمام المحكمة قتل طليقته بالرصاص، بشكل عنيف وبعدة رصاصات، لكن الأمر تحول إلى خطر عندما ظهر المتهم أمام المحكمة، فى فيديو انتشر على صفحات مواقع عدة، ونشرته للأسف مواقع صحفية، الرجل اتهم طليقته القتيلة بأنها تزوجت مرتين عرفيا، وحرضت أبناءه ضده، وأنها سرقت منه مليونىّ جنيه ونصف المليون، الواقع أن المتهم شوه القتيلة التى لم تكن موجودة لترد، ولا أى من جهتها، وتعاطف الجمهور مع شهادة المتهم القاتل لساعات، وقد انتبهت إلى الجريمة أو الجرائم التى تمت مع متهم يشوه صورة القتيلة ويترافع عن نفسه أمام المجتمع، ويسمح له بهذا كله، من دون استماع للطرف الثانى، بعد يومين ظهر شقيق القتيلة ليؤكد أن كل ما طرحه المتهم كذب، وأن القاتل طلق شقيقته قبل سنوات، وحاول إرجاعها ورفضت، وأن أبناءه نفروا منه لعصبتيه وعنفه.
لست هنا فى معرض الحكم على صحة أى من شهادات الطرفين، لكننا أمام قاتل يترافع أمام المجتمع بتشويه القتيلة، ضمن ظاهرة تمثل خطرا بالفعل وأحد أخطر عناصر مجتمع الإنترنت والتواصل الاجتماعى، ضمن ظاهرة بدأت من سنوات أسميها «قضاة السوشيال ميديا، ومنهم محامون يفشلون أمام المحاكم فيظهرون على «لايفات فيس بوك» ليترافعوا ويحاولوا كسب الرأى العام لمواقفهم، مع إخفاء حق الطرف الثانى، والواقع أن ظهور المتهم بقتل زوجته فى فيديو يشوه القتيلة من طرف واحد، هو جريمة اشترك فيها كل من نشر أو أعاد النشر، ونظن أن هناك إمكانية لمطاردة هذه الجرائم ومعاقبة أصحابها، لأنها عدوان على القانون وحق التقاضى.
نفس القصة بصورة أخرى عادت فى قضية سجن فتاتين بتهم التزوير فى محررات رسمية، لأنهما قدمتا أوراقا مزورة منسوبة لجهات حكومية حول راتب الأب من أجل زيادة النفقة، المهم أن حكما جنائيا صدر بالسجن 3 سنوات للبنتين وأمهما، وظهرت شهادات ومناشدات ولايفات وفيديوهات تدافع عن الفتاتين وأنهما متفوقتان، واتهمت الأم الأب بالإبلاغ عن ابنتيه، وهو ما جعله متهما أمام الرأى العام بسجن ابنتيه المتفوقتين، وأنه أضاع مستقبلهما لأنهما تقتربان من الامتحانات، وظهر الأب فى برامج وعلى صفحات التواصل لينفى عن نفسه التهمة، ويتهم الزوجة السابقة التى خلعته، بأنها وراء تقديم أوراق مزورة لرفع قيمة النفقة، ووجدنا أنفسنا أمام فريقين من المشجعين، كل منهما ينحاز لطرف دون آخر.
ولسنا هنا فى مكان أو مجال الحكم على الأوراق أو الموضوع وبراءة أو اتهام الأب أو الأم، لكننا أمام نفس الخطر على العدالة، أن مواقع التواصل أصبحت طرفا فى القضايا بشكل يخشى منه على العدالة والحقوق، وهى جرائم لا يعالجها ميثاق شرف لكن يحسمها القانون الذى يجب أن يطبق بحسم على كل من يحاول التلاعب بالرأى العام، حيث يجب حظر عرض أى مرافعات او اتهامات فى المحاكم أثناء المحاكمات، ويحظر التعليق على قضايا معروضة أمام المحاكم، لأن العرض والنشر يجعل من الطرف الأكثر إنفاقا على اللجان وشركات السوشيال ميديا، هو صاحب الحق.
نحن أمام جرائم فى أى من دول العالم، والقوانين كلها تمنع الطبيب من الظهور لتسببه علنا فى موت وتدهور أحوال مرضاه، كما يحظر نشر المحاكمات أو المرافعات أثناء تداول القضايا لأن هذا يعرض العدالة للخطر.
