الفئران فى الحضارات القديمة.. كيف جرى التعامل معها؟

الأحد، 17 مايو 2026 05:00 ص
الفئران فى الحضارات القديمة.. كيف جرى التعامل معها؟ فئران محنطة

أحمد إبراهيم الشريف

تناثر الحديث عن فيروس هانتا المميت، وربطت الدراسات بينه وبين الفئران، تلك الكائنات المرتبطة بالأوبئة أينما كانت وحلت، ومع ذلك لو تأملنا نظرة الحضارات لهذه المخلوقات فإننا نجد أمورًا غريبة.

لم تنظر الحضارات القديمة إلى الفئران نظرة واحدة، فبعض البيئات رأتها آفة زراعية تهدد الحبوب والمخازن، وبيئات أخرى رأتها رمزا دينيا أو فلكيا، وفى حالات ثالثة دخلت فى الحكايات الساخرة والأمثال والأساطير، لذلك فالسؤال عن الفئران فى الحضارات القديمة يكشف جانبًا مهمًا من علاقة الإنسان المبكرة بالطعام، والبيت، والمرض، والمدينة.

مصر القديمة.. الفأر عدو الغلال والقط حارس المخازن

فى مصر القديمة، كان حفظ الغلال مسألة حياة لأن الحبوب مثلت عماد الاقتصاد والغذاء والدولة، لذلك ارتبطت الفئران بالتهديد المباشر للمخازن والبيوت، ومن هنا نفهم المكانة العملية للقطط قبل مكانتها الرمزية والدينية، فقد كانت القطط نافعة فى حماية البيوت والمخازن من الفئران والجرذان والثعابين، وهو ما تؤكده مواد متحفية مثل صفحة المتحف البريطانى عن تمثال "قط جاير أندرسون"، التى تذكر أن القطط كانت محبوبة لأنها حافظت على المخازن والبيوت خالية من الفئران والجرذان والثعابين.

ولم تقف علاقة المصريين بالفئران عند المكافحة العملية فقط، بل دخلت الفئران عالم التصوير الساخر. من أشهر الشواهد بردية ساخرة محفوظة بالمتحف المصرى بالقاهرة يظهر فيها فأر جالسًا فى هيئة صاحب مكانة، بينما تخدمه القطط، فى قلب ساخر للنظام الطبيعى بين القط والفأر. يصف المتحف المصرى هذه البردية بأنها تضم مشهدين ساخرين، أحدهما لأنثى فأر جالسة على كرسى عالٍ.

إذن تعامل المصرى القديم مع الفأر على مستويين:
الأول عملي، باعتباره خطرًا على الطعام والمخازن.
والثانى رمزي/ساخر، باعتباره كائنًا يصلح لقلب العالم وتصوير المفارقة.

بلاد الرافدين والشرق القديم.. الفأر معضلة المخزن والزراعة

فى الحضارات الزراعية القديمة عمومًا، كان الخطر الأكبر للفئران أنها تهاجم الحبوب المخزنة، ومع قيام الزراعة والاستقرار، ظهرت مشكلة حفظ الطعام من القوارض والحشرات. وتشير دراسة عن مكافحة آفات الأغذية المخزنة فى الشرق القديم إلى استخدام وسائل طاردة داخل مخازن الحبوب، منها أدخنة أو روائح مواد معينة كانت تُستعمل لإبعاد الفئران والجرذان آكلة الحبوب.

ومن هذه الزاوية، يمكن القول إن الفأر كان أحد أوائل "أعداء المدينة الزراعية"، فحين انتقل الإنسان من الصيد والترحال إلى الزراعة والتخزين، صار لديه فائض غذائى يجذب القوارض. وهكذا أصبحت مكافحة الفئران جزءًا من إدارة المخزن والبيت والقرية.

اليونان القديمة.. الفأر بين الوباء والمقدس

فى اليونان القديمة، ظهرت علاقة لافتة بين الفأر والمعبود أبولو فى صورة أبولو سمينثيوس  Apollo Smintheus، وهى تسمية ارتبطت بالفئران، وتشير دراسة متخصصة عن "الفئران المقدسة لأبولو سمينثيوس" إلى أن الفئران كانت مرتبطة بهذا الإله، بل كانت تُحمى وتُطعم فى موقع عبادته، كما ارتبط أبولو أيضًا بفكرة الوباء والانتقام عبر المرض.

هذه النقطة مهمة جدًا، لأنها تكشف أن الفأر لم يكن مجرد آفة عند اليونان، بل دخل فى منطقة دينية ملتبسة: كائن صغير، لكنه مرتبط بإله قادر على إرسال المرض أو رفعه. لذلك يمكن فهم الفأر هنا باعتباره رمزًا مزدوجًا: مصدر أذى محتمل، وعلامة دينية داخل طقس محدد.

روما القديمة.. السيطرة على الآفات داخل البيت والمخزن

فى العالم الروماني، كما فى اليونانى والشرقي، كانت المشكلة العملية هى حماية الطعام والمخازن، اعتمدت المجتمعات القديمة على وسائل طبيعية وطاردة، وعلى تنظيم المخازن، وعلى الحيوانات الصائدة، ويشير تاريخ مكافحة الآفات إلى استخدام مواد مثل الكبريت فى التبخير والوقاية من الآفات فى العالمين اليونانى والروماني، خصوصًا لحماية البيوت ومخازن الطعام.

ومع اتساع المدن الرومانية، صار وجود القوارض مرتبطًا أيضًا بالعمران والكثافة السكانية ومخلفات الطعام. وكلما كبرت المدينة زادت فرص التماس بين الإنسان والقوارض، وهى الفكرة التى ستصبح لاحقًا جوهرية فى تاريخ الأوبئة والصحة العامة.

الصين القديمة.. الفأر بين الآفة والبرج والفأل

فى الصين، تبدو صورة الفأر أكثر تعقيدًا، فهو من جهة آفة زراعية تلتهم الحبوب وتضر المجتمع الزراعي، ومن جهة أخرى يحتل مكانة رمزية فى التقويم الصيني، إذ يأتى الفأر/الجرذ فى أول دورة الأبراج الصينية الاثنى عشر. وتذكر مصادر عن الثقافة الصينية أن الموقف من الفئران والجرذان كان مركبًا، يجمع بين الحب والكراهية والتسامح والفكاهة.

وفى الأبراج الصينية، يمثل الجرذ بداية الدورة، ويرتبط فى التقاليد الشعبية بالذكاء والسرعة والقدرة على النجاة، لذلك لم يكن الفأر فى الصين القديمة مجرد كائن مكروه، بل أصبح أيضًا رمزًا للحيلة والخصوبة والحضور المتكرر فى الزمن.

الهند.. الفأر فى صحبة الإله جانيشا

فى الهند، يحضر الفأر أو الجرذ فى سياق دينى معروف، إذ يرتبط بالإله جانيشا بوصفه مركبته أو رفيقه الرمزى فى التصوير الديني، هذه الصورة لا تعنى أن القوارض لم تكن آفة فى الحياة الزراعية، لكنها تكشف قدرة الثقافة على تحويل الكائن المؤذى فى الواقع إلى رمز دينى له معنى.

والمعنى الرمزى هنا غالبًا يدور حول السيطرة على الرغبات والعقبات، أو قدرة الحكمة على توجيه الكائن الصغير المتسلل. لذلك يقدم المثال الهندى وجهًا مختلفًا: الفأر ليس مجرد خطر صحى أو زراعي، بل كائن يدخل فى نظام رمزى وروحي.

كيف تعاملت الحضارات القديمة مع الفئران؟

يمكن تلخيص تعامل الحضارات القديمة مع الفئران فى خمسة مسارات رئيسية:

الحماية العملية للغذاء

أول رد فعل كان حماية الحبوب والمخازن، لأن الفأر يهدد الطعام مباشرة. لذلك ارتبطت مكافحته بالزراعة والاقتصاد المنزلي.

استخدام الحيوانات الصائدة

فى مصر القديمة خصوصًا، اكتسبت القطط قيمة كبيرة لأنها كانت تحمى البيوت والمخازن من القوارض والثعابين. هذه المنفعة العملية ساعدت فى صعود مكانتها الرمزية والدينية.

الطرد والتبخير والروائح

بعض المجتمعات استخدمت مواد طاردة أو أدخنة وروائح داخل المخازن لحماية الحبوب من القوارض وآفات التخزين.

تحويل الفأر إلى رمز

فى اليونان ارتبط الفأر بأبولو سمينثيوس، وفى الصين دخل دائرة الأبراج، وفى الهند صار حاضرًا فى صورة غانيشا. هنا يتحول الكائن الصغير من آفة إلى حامل معنى.

السخرية والحكاية

فى مصر القديمة دخل الفأر عالم الرسوم الساخرة، كما فى المشاهد التى تقلب العلاقة بين القط والفأر، فتجعل الفأر فى موضع السيد والقطط فى موضع الخدم.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب


الموضوعات المتعلقة


الرجوع الى أعلى الصفحة