حددت وزارة الأوقاف موضوع خطبة الجمعة التالية، بعنوان "يوم عرفة.. يوم المباهاة الإلهية"، وأشارت أن الهدف: التوعية بفضائل يوم عرفة، يوم العتق الأكبر والمباهاة الربانية، والحث على اغتنامه، كما حددت موضوع الخطبة الثانية: التحذير من إلقاء القمامة فى الشوارع (مخلفات ذبح الأضاحي).
وتابعت إننا على موعد مع يوم تهتز له القلوب المؤمنة شوقا، وتفيض فيه الأرواح رجاء، يوم يباهي الله فيه بالمسلمين ومواقفهم ملائكته الكرام، يوم تسكب فيه العبرات، وترفع فيه الدعوات، وتغسل فيه الصحائف من أدران الذنوب، إنه يوم عرفة؛ يوم العتق الأكبر من النار، يوم إذا أقبل أقبلت معه الرحمات، وإذا حل تنزلت فيه البركات، فطوبى لعبد عرف قدر هذا اليوم، فأحيا ساعاته بالتوبة والذكر والدعاء، ورجا من مولاه أن يكون من عتقائه الفائزين.
من فضائل هذا اليوم المبارك:
احتفاء القرآن الكريم بيوم عرفة:
لقد احتفى القرآن الكريم بيوم عرفة احتفاء عظيما، فنوه بشأنه، ورفع قدره، وجعل له من الفضل والمكانة ما يدل على عظيم منزلته عند الله تعالى، إذ ارتبط هذا اليوم بأداء ركن لعبادة من أجل العبادات وأعظم الشعائر، شعيرة الحج التي تتجلى فيها معاني التوحيد والخضوع والتجرد لله رب العالمين.
وقد أشار القرآن إلى هذا المنسك المبارك في مواضع عديدة، فقال سبحانه: ﴿فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام﴾ [البقرة: ١٩٨]، فخص عرفات بالذكر تشريفا لمقامه، وبيانا لعظمة الوقوف به، حتى صار الوقوف بعرفة ركن الحج الأعظم، فيا له من يوم تتطلع إليه القلوب المؤمنة شوقا ورجاء.
لقد أكثر الله تعالى في كتابه العزيز عن ذكر يوم عرفة تصريحا وتلميحا في آيات عديدة منها:
قول الله تعالى: {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا} [المائدة: ٣] يعني: يوم عرفة، قال الطبري: "وأولى الأقوال في وقت نزول الآية، القول الذي روي عن عمر بن الخطاب: أنها نزلت يوم عرفة يوم جمعة" [جامع البيان] فجاء نزولها إعلانا ربانيا بكمال هذا الدين، وتمام هذه النعمة، ورضا الله بالإسلام دينا خالدا للبشرية إلى قيام الساعة، فاجتمع ليوم عرفة بذلك شرف الزمان، وعظمة المكان، وجلال الحدث؛ إذ شهد نزول آية تعد من أعظم آيات القرآن أثرا ودلالة، فكان يوما اكتمل فيه نور الرسالة، وتم فيه بناء الشريعة، وفاضت فيه على الأمة أعظم نعم الله ورضوانه.
ويوم عرفة هو يوم الحج الأكبر، والمشهد الأعظم الذي تتجلى فيه معاني العبودية والخضوع لله رب العالمين، ففيه يجتمع الحجيج على صعيد واحد، مجردين من زينة الدنيا وفوارقها، رافعين أكف الضراعة، تفيض أعينهم بالرجاء، وتلهج ألسنتهم بالتلبية والدعاء، وكأن البشرية كلها قد وقفت بين يدي ربها تستمطر رحمته وتلتمس عفوه، وقد عظم الله هذا اليوم فقال تعالى: {وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر} [التوبة: ٣]، قال الإمام الزجاج: "يوم الحج الأكبر هو يوم عرفة، والحج الأكبر الوقوف بعرفة، وقيل: الحج الأصغر العمرة" [معاني القرآن وإعرابه].
وقال تعالى: {وشاهد ومشهود} [البروج: ٣] قال سيدنا علي وأبو هريرة وعكرمة وقتادة وغيرهم: «الشاهد يوم الجمعة، والمشهود يوم عرفة» [رواه أحمد]
وقال تعالى: {والشفع والوتر} [الفجر: ٣] فقال جمع من السلف بأن الشفع يوم النحر، والوتر يوم عرفة، لأن عرفة يوم التاسع وهو وتر، والنحر يوم العاشر وهو شفع. وقيل: لأن يوم النحر يشفع بيوم نحر بعده، وينفرد يوم عرفة بالموقف. [جامع البيان]
إلى غير ذلك من الآيات الكريمة التي أشارت إلى هذا اليوم العظيم.
يوم عرفة أعظم الأيام قدرا عند الله تعالى:
فقد روى الإمام ابن حبان في "صحيحه" من حديث سيدنا جابر بن عبد الله رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «وما من يوم أفضل عند الله من يوم عرفة».
قال ابن رجب: "فأيام هذا العشر يشتمل على يوم عرفة، وقد روي أنه أفضل أيام الدنيا، كما جاء في حديث جابر الذي ذكرناه" [لطائف المعارف].
وروي من وجه آخر بزيادة، وهي: "ولا ليالي أفضل من لياليهن"، قيل: يا رسول الله، هن أفضل من عدتهن جهادا في سبيل الله؟ قال: «هن أفضل من عدتهن جهادا في سبيل الله، إلا من عفر وجهه تعفيرا، وما من يوم أفضل من يوم عرفة»، خرجه الحافظ أبو موسى المديني من جهة أبي نعيم الحافظ بالإسناد الذي خرجه به ابن حبان [لطائف المعارف].
وعن سيدنا أنس رضي الله عنه قال: " كان يقال في أيام العشر بكل يوم ألف، ويوم عرفة عشرة آلاف يوم"، يعني: "في الفضل" [شعب الإيمان].
وهو أحد أيام الأشهر الحرم المعظمة، قال تعالى: {إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض منها أربعة حرم} [سورة التوبة: ٣٩].
وعن أبي بكرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، السنة اثنا عشر شهرا، منها أربعة حرم، ثلاثة متواليات: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، ورجب مضر، الذي بين جمادى وشعبان» [متفق عليه].
فهو من أعظم أيام الدنيا، وخير يوم طلعت فيه الشمس؛ فاغتنمه، واجعله شاهدا لك لا عليك، ولن يخيب الله أملك، ولن يضيع سعيك، ولن يدخر عنك رحمة تغمرك.
يوم عرفة يوم المباهاة الربانية:
إن أعلى وأسمى ما يحظى به العبد بين يدي مولاه، أن يكون في موضع المباهاة، فيباهي بأهل أرضه أهل سماواته، وفي يوم عرفة يجود الله عز وجل على عباده جودا عظيما حتى يرى فيه إبليس أحقر ما يكون بسبب ما يرى من تنزل الرحمات، وفيض المكرمات من رب السموات جل جلاله، وفضل يوم عرفة يشمل عباد الله في أرجاء الدنيا؛ الحجيج وغيرهم، لذا ينبغي للمسلم أن يتعرض لنفحات الرحمة والمغفرة في هذا اليوم؛ فهو أكثر ما يعتق الله فيه من النار؛ فعن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدا من النار، من يوم عرفة، وإنه ليدنو، ثم يباهي بهم الملائكة، فيقول: ما أراد هؤلاء؟» [رواه مسلم].
قال النووي: "هذا الحديث ظاهر الدلالة في فضل يوم عرفة"، ثم أشار إلى مفهوم دنوه سبحانه في هذا اليوم فقال ناقلا عن القاضي عياض، قال المازري: معنى يدنو في هذا الحديث، أي: تدنو رحمته وكرامته لا دنو مسافة ومماسة، ثم قال: قال القاضي: وقد يريد دنو الملائكة إلى الأرض أو إلى السماء بما ينزل معهم من الرحمة ومباهاة الملائكة بهم عن أمره سبحانه وتعالى. [المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج].
وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله يباهي بأهل عرفات ملائكة أهل السماء، فيقول: انظروا إلى عبادي هؤلاء جاءوني شعثا غبرا» [رواه ابن حبان].
وفي "مصنف عبد الرزاق" من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، في حديث الرجلين اللذين جاءا رسول الله صلى الله عليه وسلم، يسألانه عن أمر دينهم، وكان من جوابه لهما: "أما وقوفك بعرفة، فإن الله تبارك وتعالى ينزل إلى سماء الدنيا، فيباهي بهم الملائكة، فيقول: هؤلاء عبادي جاؤوا شعثا غبرا من كل فج عميق، يرجون رحمتي، ويخافون عذابي، ولم يروني، فكيف لو رأوني، فلو كان عليك مثل رمل عالج، أو مثل أيام الدنيا، أو مثل قطر السماء ذنوبا، غسلها الله".
قال ابن عبد البر: "وهذا يدل على أنهم مغفور لهم؛ لأنه لا يباهي بأهل الخطايا والذنوب إلا من بعد التوبة والغفران". [التمهيد].
يوم التجلي الأعظم:
فما من يوم تنثال فيه رحمات الله على عباده كيوم عرفة، وما من يوم يطلع الله تعالى بجوده وإحسانه على خلقه كيوم عرفة، فعن أبي داود الشعبي عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يبقى أحد يوم عرفة في قلبه مثقال ذرة من إيمان إلا غفر له، فقال رجل: لأهل عرفة خاصة يا رسول الله أم للناس عامة؟ قال: لا بل للناس عامة". [رواه الطبراني].
وعن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "كان فلان رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم عرفة، قال: فجعل الفتى يلاحظ النساء، وينظر إليهن، قال: وجعل رسول الله يصرف وجهه بيده من خلفه مرارا، قال: وجعل الفتى يلاحظ إليهن"، قال: فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ابن أخي، إن هذا يوم من ملك فيه سمعه، وبصره، ولسانه، غفر له» [ مسند أحمد].
الوقوف بعرفة هو الركن الأعظم للحج:
إن الوقوف بعرفة هو ركن الحج الأعظم، فبدونه يبطل الحج ولا يصح؛ «فعن عبد الرحمن بن يعمر الديلي قال: شهدت رسول الله ﷺ وهو واقف بعرفة وأتاه ناس من أهل نجد، فقالوا: يا رسول الله، كيف الحج؟ فقال: «الحج عرفة...» [مسند أحمد].
قال شيخ الإسلام ابن حجر العسقلاني: أي: معظم الحج وركنه الأكبر [فتح الباري]، وقال ابن دقيق العيد: معظمه وعماده [شرح الأربعين النووية].
يوم عرفة يوم عيد:
إن مفهوم العيد في الإسلام ما يعاد بالخير على المسلمين، فكل يوم نطيع الله تعالى فيه ويذكرنا بالله تعالى فهو لنا عيد، وأفضل هذه الأيام على الإطلاق أيام الحج وأعلاها يوم عرفة، فعن سيدنا عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق عيدنا أهل الإسلام، وهي أيام أكل وشرب» [سنن الترمذي].
قال ابن رجب الحنبلي: "إكمال الدين وإتمام النعمة أنزله الله في يوم شرعه عيدا لهذه الأمة من وجهين: أحدهما: أنه يوم عيد الأسبوع وهو يوم الجمعة، والثاني: أنه يوم عيد أهل الموسم وهو يوم مجمعهم الأكبر وموقفهم الأعظم، وقد قيل: أنه يوم الحج الأكبر" [فتح الباري].