أشاد عدد من النقاد والمثقفين برواية "التجريدة" للكاتب الدكتور أحمد إبراهيم الشريف، والصادرة عن دار الربيع، مؤكدين أنها رواية ملحمية تسائل التاريخ، وتقدم فهمًا خاصًا لفن الرواية، وتعبر عن مفهوم أحمد إبراهيم الشريف للكتابة السردية، من حيث بناء العالم الروائي، وتعدد الأصوات، والانفتاح على مستويات رمزية وإنسانية تتجاوز حدود الحدث المباشر.
جاء ذلك خلال ندوة أقامتها مؤسسة نوافذ ثقافية بمدينة السويس، لمناقشة رواية "التجريدة"، بمشاركة الشاعر والناقد عمر شهريار، والدكتور إبراهيم عاطف، وأدار الندوة الكاتب الصحفي محمد عبد الرحمن، بحضور عدد من المهتمين بالأدب والرواية.
وتناولت الندوة البنية الفنية للرواية، وما تطرحه من أسئلة تتصل بالتاريخ والسلطة والاختلاف، إلى جانب قدرتها على بناء عالم سردي تتداخل فيه الشخصيات والأصوات، بما يجعل الرواية قابلة للقراءة من أكثر من زاوية، سواء بوصفها عملًا يستلهم التاريخ، أو نصًا رمزيًا يتأمل علاقة الإنسان بالجماعة، وموقع الفرد داخل منظومة السلطة.
وفي البداية قال الكاتب الصحفي محمد عبد الرحمن، إن أحمد إبراهيم الشريف قدم في هذه الرواية نوعية مختلفة عما اعتاد تقديمه من قبل، مشيرًا إلى أنه رغم اعتماد الكاتب في بنائه الروائي على حدث تاريخي وهو ثورة قاو، إلا أن المعالجة الروائية دارت بشكل أساسي حول الناس وما فعلته بهم التجريدة العسكرية التي أرسلها الخديو إسماعيل لوأد تمردهم، مشددًا على أن الرواية اهتمت بالجانب النفسي والعاطفي، أكثر من التوثيق التاريخي، محاولا ردم الفجوات والشقوق في الرواية التاريخية.
وتحدث الدكتور إبراهيم عاطف عن بناء الرواية، مشيرًا إلى اعتمادها على صيغة "رواية الأصوات"، حيث تتوزع الحكاية بين أكثر من صوت وشخصية، بما يمنح القارئ مساحة واسعة لرؤية العالم الروائي من زوايا متعددة. وأوضح أن أحمد إبراهيم الشريف لم يخضع لهذا الشكل بصورة حادة وقاطعة، وإنما نوّع داخله، وسمح لتقنيات فنية أخرى بأن تظهر في السرد، الأمر الذي أعطى الرواية مرونة في البناء، وحافظ على تماسكها الفني.
وأضاف إبراهيم عاطف أن الرواية منحت اهتمامًا واضحًا للمرأة داخل نسيجها السردي، سواء من خلال حضور الشخصيات النسائية في حركة الأحداث، أو عبر موقعها داخل الأسئلة التي تطرحها الرواية حول المجتمع والسلطة والعلاقات الإنسانية، مؤكدًا أن هذا الحضور يمثل أحد الملامح المهمة في قراءة العمل.
من جانبه، تحدث الشاعر والناقد عمر شهريار عن إيقاع الرواية، مؤكدًا قدرة أحمد إبراهيم الشريف على إدارة السرد من خلال نحو ثلاثين شخصية، لكل منها موقعها ووظيفتها داخل البناء العام. وأشار إلى أن هذه الشخصيات تبدو كأن كل شخصية تمسك بيد الأخرى، بما يمنح الرواية تماسكًا داخليًا، ويجعل تعدد الأصوات عنصر قوة داخل العمل.
وأوضح عمر شهريار أن "التجريدة" يمكن قراءتها من أكثر من زاوية، منها ما يتعلق بمفهوم الاختلاف، ومنها ما يتصل بالدافع الإنساني وراء الفعل، ومنها ما يكشف عقلية السلطة وموقفها من المختلف، لافتًا إلى أن الرواية لا تكتفي بسرد الحدث، وإنما تفتح بابًا للتأمل في المعنى الكامن خلفه.
كما قال الشاعر إبراهيم جمال الدين إن أحمد إبراهيم الشريف يمتلك أسلوبه ومفهومه الخاص في الفن، وطرح خلال الندوة عددًا من الأسئلة حول طبيعة الرواية، وما إذا كانت رواية تاريخية بالمعنى المباشر، أم أنها أقرب إلى الرواية الرمزية، كما أشار الدكتور إبراهيم عاطف، حيث يصبح الحدث رمزيًا، وتتحول الشخصيات إلى علامات داخل بناء فني أوسع.
واختتمت الندوة بحوار مفتوح حول رواية "التجريدة"، وما تطرحه من أسئلة فنية وفكرية حول التاريخ والسلطة والاختلاف، مع التأكيد على أن العمل يتيح مساحة واسعة للنقاش النقدي، ويكشف عن تجربة سردية تسعى إلى بناء رواية متعددة الأصوات، قادرة على الجمع بين الحكاية والتأمل، وبين التاريخ والرمز، وبين الفن والسؤال الإنساني.
المشاركون في الندوة
جانب من الندوة