حسين عبد البصير يكتب: هل يعيد ماكرون ذاكرة مصر المنهوبة؟

الجمعة، 15 مايو 2026 06:00 ص
حسين عبد البصير يكتب: هل يعيد ماكرون ذاكرة مصر المنهوبة؟ الدكتور حسين عبد البصير

ليست الآثار مجرد تماثيل حجرية صامتة أو قطع ذهبية تزين قاعات العرض الباردة في المتاحف الأوروبية. الآثار ذاكرة الشعوب، وصوت الحضارات القديمة، والمرآة التي ترى الأمم فيها نفسها عبر الزمن. ولهذا، فإن أي حديث عن إعادة الآثار المنهوبة ليس مجرد قضية قانونية أو دبلوماسية، بل هو في جوهره حديث عن العدالة التاريخية.

ومن هنا تأتي أهمية مصادقة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون على قانون إعادة الآثار والأعمال الفنية المنهوبة خلال الحقبة الاستعمارية. فالخطوة الفرنسية الأخيرة لا يمكن قراءتها باعتبارها مجرد إجراء إداري أو تعديل قانوني، بل بوصفها اعترافًا متأخرًا بأن أوروبا الحديثة بنت جزءًا من عظمتها المتحفية على إرث شعوب أخرى، خرج تراثها في ظروف لم تكن دائمًا عادلة أو متكافئة.

لقد عاشت أوروبا طوال القرن التاسع عشر حالة من الهوس بجمع آثار الشرق وأفريقيا. وكانت الحملات العسكرية والبعثات العلمية والتنقيب الأثري أدوات متداخلة في مشروع واحد: نقل ذاكرة الحضارات القديمة إلى العواصم الأوروبية. وهكذا أصبحت باريس ولندن وبرلين وروما تمتلك كنوزًا هائلة من آثار مصر وبلاد الرافدين وأفريقيا وآسيا.

وكانت مصر في قلب هذا المشهد، فمنذ الحملة الفرنسية على مصر بين عامي 1798 و1801، تحولت الآثار المصرية إلى موضوع شغف أوروبي واسع. ولم تكن الحملة مجرد مغامرة عسكرية قادها نابليون بونابرت، بل كانت أيضًا مشروعًا معرفيًا وثقافيًا فتح أبواب أوروبا على سحر الحضارة المصرية القديمة. خرج العلماء الفرنسيون من مصر برسوم ووثائق ودراسات غيرت فهم العالم لمصر القديمة، لكن آثارًا كثيرة خرجت أيضًا في ظل واقع سياسي وعسكري شديد الاضطراب.

وهنا تظهر المفارقة الكبرى في القانون الفرنسي الجديد. فالقانون حدد الفترة الزمنية المشمولة بين عامي 1815 و1972، بينما وقعت الحملة الفرنسية قبل ذلك، أي بين 1798 و1801. وهذا يعني أن كثيرًا من القطع التي خرجت خلال الحملة نفسها قد لا تستفيد مباشرة من القانون.

 

لكن القضية المصرية أوسع من الحملة الفرنسية وحدها.

فالقرن التاسع عشر كله كان زمنًا مفتوحًا أمام خروج الآثار المصرية إلى أوروبا. كانت البعثات الأجنبية تنقب وتحصل على جزء من المكتشفات عبر نظام القسمة، وكانت تجارة الآثار مزدهرة، كما كانت الهدايا السياسية تمنح أحيانًا قطعًا أثرية نادرة لدول أجنبية وشخصيات نافذة. وفي ظل غياب المفهوم الحديث لحماية التراث، خرجت آلاف القطع من مصر إلى الخارج بصورة أصبحت اليوم محل تساؤل أخلاقي وتاريخي.

ولهذا، فإن أهمية القانون الفرنسي بالنسبة لمصر لا تكمن فقط في إمكانية استعادة بعض القطع، بل في التحول الفكري الذي يمثله. فالعالم بدأ يعترف بأن “شرعية الماضي” ليست دائمًا مرادفًا للعدالة. ما كان قانونيًا في عصر الاستعمار قد لا يكون أخلاقيًا في نظر القرن الحادي والعشرين.

ولعل هذا هو التغير الأهم في النقاش العالمي حول الآثار.

في الماضي، كانت المتاحف الأوروبية تتحدث بثقة عن فكرة “المتحف العالمي”، أي أن من حقها الاحتفاظ بتراث الإنسانية كله بوصفها مؤسسات كونية تتجاوز الحدود القومية. أما اليوم، فقد بدأت الشعوب تسأل: كيف أصبح هذا التراث عالميًا أصلًا؟ وتحت أي ظروف غادر أوطانه؟

إن متحف اللوفر في باريس يضم واحدة من أعظم المجموعات المصرية في العالم، تضم عشرات الآلاف من القطع التي تمثل مختلف عصور الحضارة المصرية القديمة. وبعض هذه القطع خرج عبر بعثات علمية وقوانين كانت سائدة آنذاك، وبعضها الآخر تحيط به علامات استفهام كبيرة تتعلق بظروف خروجه الحقيقية.

ولا توجد حتى الآن أرقام دقيقة بشأن عدد القطع المصرية الموجودة في فرنسا بطرق غير مشروعة، لأن القضية شديدة التعقيد. فهناك مجموعات خاصة غير معلنة، ووثائق مفقودة، وتعريفات قانونية متغيرة لمعنى “النهب” و”الخروج غير المشروع”. لكن المؤكد أن جزءًا من الذاكرة المصرية يعيش اليوم بعيدًا عن موطنه الأصلي.

وفي المقابل، تبدو الدول الأفريقية التي خضعت للاستعمار الفرنسي المباشر، مثل بنين والسنغال ومالي والكاميرون، أكثر استفادة من القانون الجديد، لأن كثيرًا من تراثها نُقل إلى فرنسا خلال الفترات التي يغطيها التشريع الفرنسي بوضوح. وقد بدأت فرنسا بالفعل إعادة بعض الكنوز الملكية إلى بنين، في خطوة اعتبرها كثيرون بداية مرحلة جديدة في العلاقة بين أوروبا وتراث أفريقيا.

أما مصر، فإن معركتها الحقيقية ليست فقط في استعادة القطع الأثرية، بل في إعادة طرح سؤال العدالة الثقافية على العالم كله. فالحضارة المصرية القديمة ليست ملكًا للمصريين وحدهم، لكنها أيضًا ليست بلا أصحاب. إنها جزء من الهوية المصرية، ومن حق المصريين أن يروا تراثهم في أرضه الأصلية، وتحت سمائه الأولى، وعلى ضفاف النيل الذي صنع هذه الحضارة.

وربما تكون اللحظة الحالية بداية لعصر جديد، تعتذر فيه المتاحف الكبرى ــ ولو متأخرة ــ عن قرنين من نقل ذاكرة الشعوب إلى خلف واجهات العرض الزجاجية.

فالآثار لا تعود فقط إلى أوطانها.. بل تعود أيضًا إلى معناها الحقيقي.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة