على بعد خطوات من قسم شرطة اللبان بالإسكندرية، وفي قلب بيوت ضيقة لا تزال جدرانها تهمس بأسرار مرعبة، دارت واحدة من أبشع الجرائم في تاريخ مصر الحديث.
لم تكن مجرد جريمة قتل من أجل "الذهب"، بل كانت تجسيداً لموت الضمير الإنساني في أبشع صوره، حيث تحولت غرف النوم وأماكن المعيشة في منازل ريا وسكينة إلى "مقابر جماعية" يسكنها الضحايا وتعيش فوقها القاتلات.
السر الحقيقي الذي يثير القشعريرة في الأبدان ليس في عملية القتل بحد ذاتها، بل في "التعايش" المريب مع الجثث، كانت ريا وسكينة وشراذم عصابتهما يمارسون حياتهم اليومية بشكل طبيعي تماماً فوق "بلاط" يخبئ تحت غدره جثثاً لم تجف دماؤها بعد.
كانت "الطبلية" توضع في الغرفة التي شهدت خنق الضحية قبل ساعات، وكان الجميع يجلسون لتناول "العدس" و"البصارة" ويتبادلون الضحكات، بينما تفصلهم سنتيمترات قليلة من التراب عن جثامين نساء كانت تربطهم ببعضهن علاقة صداقة وجيرة.
بخور "الزار" لإخفاء رائحة الموت
كيف لم يشعر أحد؟ سؤال يراود كل من يقرأ تفاصيل القضية، السر يكمن في دهاء "ريا" التي كانت تعمد إلى إشعال البخور بكثافة، مدعية أنها تقيم "حلقات ذكر" أو "زار" لطرد الأرواح الشريرة، بينما كانت في الحقيقة تطارد رائحة التحلل التي بدأت تفوح من تحت الأرضية.
لم يكتفوا بذلك، بل كانت "سكينة" تقوم بمسح الأرضيات بالماء والمنظفات القوية بشكل يومي، وتضع قطع الأثاث الثقيلة فوق "الحفر" الحديثة لضمان عدم ملاحظة أي هبوط في التربة.
في غرف الموت، وتحديداً في منزل "رقم 5 بشارع ماكوريس"، كان الخوف يغلف المكان، لكن القاتلتين كسرتا حاجز الرعب بالاعتاد.
يروي التاريخ الجنائي أن ريا كانت تنام في الغرفة التي دُفن فيها عدد من الضحايا دون أن يرف لها جفن، بل كانت تستقبل "الزبائن" وتدير تجارتها المشبوهة فوق تلك القبور، في حالة من الانفصام النفسي التي حيرت أطباء النفس حتى يومنا هذا.
نهاية أسطورة الدم
لم تنكشف الجريمة إلا عندما بدأت رائحة الموت تنتصر على رائحة البخور، وعندما بدأت الأرض "تلفظ" ما فيها بفعل الرطوبة وانسداد مواسير الصرف الصحي. حينها فقط، اكتشف "الشاويش" والمخبرون أن البيت الذي كان يضج بالحياة والصخب، ليس سوى مقبرة كبرى صُممت بدم بارد.
إن قصة ريا وسكينة ستظل تذكرنا دائماً بأن الشر قد يتخذ أشكالاً بشرية عادية، وأن المجرم قد يبتسم في وجهك ويطعمك من زاده، وهو يخطط ليجعلك "النزيل القادم" تحت بلاط غرفته.
هي قصة ليست عن القتل فقط، بل عن السقوط الأخلاقي الذي سمح لبشر بأن يأكلوا ويشربوا ويناموا فوق جثث الموتى دون شفقة أو ندم.