حازم حسين

عناق النار وبرودة الثلج

الأربعاء، 13 مايو 2026 02:00 م


الهُدنة فى غُرفة الإنعاش؛ غير أنها لن تلفظ أنفاسها. الموت تقنيةُ ضغط لا أكثر، وفى الحياة مُتّسع أكبر للضغوط، وأقسى كذلك.
توشك صفقة التهدئة على الانهيار، هكذا يُهدِّد امبراطور العالم ضمنيًّا؛ فيرُد عليه المُفاوض عن الطرف الثانى، رئيس البرلمان حاليا والصقر المُتقاعد من حرس الثورة سابقًا، باقر قاليباف؛ بأن جراب الحُواة لا يخلو من المفاجآت، وقبضة الثأر معقودة فى الانتظار.


يقول ترامب ولا يفعل، وخصومه باتوا مُلمّين تماما بطريقته. وليس أفضل من الإيرانيين وأكثر دهاء فى امتصاص الحماسة، وإرخاء حبل الرهان على الوقت بلا آخِر، ولا ملل أو انقطاع.

ومن الضفّة المُقابلة؛ أعناق طويلة عليها أدمغة صغيرة وعمائم سُود، وحناجر صاخبة بما يفوق دوىّ المدافع وأزيز المُسيّرات، ومثل عدوّهم عالى الصوت تماما، تمتدّ ألسنتهم لأبعد مِمّا تطال أياديهم!

خصمان من نار، مُتعانقان ومُلتحمان حتى النخاع، لن ينتصر أحدهما بمزيد من الاشتعال، ولا بانطفاء الآخَر؛ هذا إذا كان الاحتمال مطروحًا من الأساس.
لا يتّفقان إلا ليختلفا سريعا. ويختلفان بحثا عن شروط أفضل؛ فيعودان بكامل اندفاعتهما، ومرّة تلو أُخرى، إلى النقطة صفر.

القوى عاجز رغم قوّته المُفرطة، والضعيف محمىّ بالضعف الكامن فى بنيته، وأمّا الاتّزان المفقود فى ميدان القتال؛ فغائبٌ عن طاولة الحوار أيضًا.
لست ميّالا لاختزال الجولة الأخيرة فى إرادة نتنياهو فحسب. وإن كان ذلك لا يمنع من الإقرار بأنه الراقص الأوّل على مسرحها، وصاحب الرغبة العارمة فى فتح الجبهات على بعضها.

أُغرِى سيد البيت الأبيض بالمزايا، أو ابتُزّ بأوراقٍ خفيّة لا نعلمها. الحال؛ أنه ارتدى القفازات وحمل بندقيته فى مغامرة شرقية، لو كان يعلم مآلاتها الراهنة ما دخلها من الأساس.

مأزق العلاقة بين الطرفين، أن أحدهما كان مستغرقا فى اللعبة حتى الثمالة، وفوجئ أنه يُسحَب منها غصبًا، فانحبست طاقته أربع سنوات أو يزيد، ويستأنف العداوة الآن من النقطة السابقة.

لا يُمكن النظر لأداء الإدارة الأمريكية اليوم، بمعزلٍ عمّا كان فى الولاية الأولى، مهما كانت الوقائع القائمة، وحجم ما جرى فى النهر من مياه وأوهام، هنا وهناك، ولدى عصابة الحُكم فى تل أبيب.

إنه الرجل الذى خرق القواعد، بالمُتَّفق عليه منها عقودًا، وما استُجِدّ بعد مشقّة وطول صبر وأمل. تحوّل علنًا عن منطق الاحتواء، وتعمّد إهانة الغريم بالقول والفعل، ولعلّ ما خفى وقتها أعظم!

انتقى أهم رجال المُرشد الأعلى على الإطلاق؛ فأصدر حُكمه عليه بالإعدام، ونفّذه فى بلدٍ ثالث تعُدّه دولة الملالى حظيرتها الخلفية.
وكان أسقط الاتفاق النووى قبلها، وبدا من الأمرين أنه مُقبل على هيكلة العلاقة بكاملها، واستدراك خطايا أسلافه بأثر رجعى.

نُقِلَت عنه مواقف صقورية مُضادّة للجمهورية الدينية منذ أمدٍ بعيد، عندما كان تاجرًا يتركّز اهتمامه على المال والشهرة فحسب، وما تزال ذاكرته فيّاضة بسالف المواقف والانفعالات.

تردّد غير مرّة فى تغريداته المُتتابعة، أن طهران ارتكبت الجرائم وأراقت دماء الأمريكيين على امتداد سبع وأربعين سنة.
ومن غير أن يُصرّح؛ فإنه يتجمّد غالبا عند حادثة رهائن السفارة عقب الثورة، ثم تفجير ثكنة المارينز فى بيروت.
الخلاف بشأن النووى والباليستى والأذرع الإقليمية من الوكلاء والميليشيات؛ لكنه نزاع على الماضى أيضًا، ولا تُعرَف طريقة لتسويته إلا خلاص أحد الطرفين من الآخر.

ما يُعلّق الحل على الديمقراطية الغربية؛ لأن الحلول فى الديكتاتوريات والبلدان الثيوقراطية لا تكون إلا بسقوط الأنظمة!
والجَلىّ فى المفرَق الراهن؛ أن الإيرانيين يراهنون على الصناديق فعلاً. نظريًّا، يمكن أن يخرج ترامب أضعف من الانتخابات النصفية، وعمليًّا لن يعدم الوسائل للتضييق عليهم وإمضاء منطق الحرب فيهم من غير إغارة ولا قصف!

الاحتمال الأقرب أن يخسر أغلبيته البسيطة فى مجلسَى الكونجرس؛ ما يُحكّم الديمقراطيين فى إدارته بشأن المفصليّات الكُبرى، دون أن يسلبه الحقّ فى كثير من الإجراءات، أعلاها إطلاق عملية عسكرية ثانية لمُدّة شهرين كاملين.

أمّا عن الحصار على الحصار وخنق الممرّات الفارسية فى هُرمز؛ فرغم أنه من أعمال الحرب وفق القانون الدولى، إلا أنه لا يتطلّب موافقات استباقية أو لاحقة، والبحرية الأمريكية مُنتشرة فى أرجاء العالم، والمهمّة على قسوتها تُحسَب ضمن خطط الانتشار الاعتيادية.
والأبعد والأسوأ من الاحتمالات، أن يُحافظ على حصة الأغلبية من النواب والشيوخ، ولسنا فى حاجة للتفصيل هُنا بشأن إطلاق يديه عن آخرهما فى كل ما يريد أو يعِنّ له.

إن ربح فلن يتغير شىء تقريبًا؛ بل سيتعاظم إحساسه بالقوة والقبول الشعبى. وإن هُزِمَ فستزيد بواعث الثأر لديه، وقد يلتمس كل الطرق والأدوات الكفيلة بإزعاج طهران، ولو من جهة الحلفاء فى إسرائيل.

حصل ترامب على فرصته الثانية؛ وليست امتدادًا للأولى إلا من جهة الأهداف الكُبرى، لكنها مُحمّلة بإخفاقات الماضى، ومُوجّهة بالدرجة الأولى للقصاص من إخفاقاتها، والذهاب إلى أقصى مدىً مُتاح للنجاة من الفخاخ القديمة.

فى الشهور الماضية؛ كان الدفاع عن الذات/ ترامب، أما بقيّة الولاية فأولويّتها الفكرة/ الترامبية؛ خاصة لو خسر الجمهوريون فى التجديد، ودق ناقوس الخطر أمام الرئيس بشأن تداعى إدارته، وتهديد الإرث الذى يحلم بتركه فى ممر الرؤساء.

الولايات المُتّحدة كإيران؛ الآن على الأقل. وإيران كإسرائيل، منذ الثورة الإسلامية وإلى أن تتخلّى عن الأيديولوجيا وأطماعها فى الخرائط. والشَّطْب ليس معروضا بين الخيارات.
مواجهة تُشبه عناق ألسنة اللهب، ومَخرجها الوحيد فى تبريد الجبهة لدرجة التجميد. ويستحيل، للأسف، أن يجتمع الثلج والنار.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة