في كل مرة تُقتل فيها امرأة على يد زوجها أو طليقها، يخرج علينا جيش كامل من المبررين، لا ليدين الجريمة، بل ليفتش في سلوك الضحية، ملابسها، صوتها، حياتها الشخصية، أو حتى القوانين التي تحمي حقوقها وكأن المشكلة ليست في يدٍ ضغطت الزناد، بل في امرأة قررت أن تقول “لا”، أو طلبت الطلاق، أو حاولت النجاة بنفسها من علاقة مؤذية.
المخيف في الأمر أن بعض الرجال لم يعودوا يرون المرأة إنسانًا كامل الحقوق، بل “ممتلكًا خاصًا”، إذا حاولت الانفصال أو الاعتراض أو النجاة، اعتبروا ذلك تمردًا يستحق العقاب، أي عقل هذا الذي يحول الخلافات الأسرية إلى جنازات؟ وأي مجتمع هذا الذي يناقش أسباب غضب القاتل أكثر مما يبكي على الضحية؟
القضية الأخيرة التي هزت الرأي العام لم تكن مجرد جريمة قتل جديدة، بل كانت نموذجًا مرعبًا لعقلية مريضة تتصور أن التشهير بالمرأة بعد قتلها قد يمنح القاتل مخرجًا أخلاقيًا.
رجل أطلق الرصاص على طليقته بسلاح غير مرخص، بعدما ترصد لها وأنهى حياتها بدم بارد، ثم وقف يتحدث عن “سمعتها” و”سلوكها” وكأن قتل النساء أصبح وجهة نظر قابلة للنقاش.
والأكثر فجاجة أن البعض بدأ يختلق المبررات: “قانون الأسرة ظلم الرجال”، “هي أكيد استفزته”، “أكيد كانت عاملة حاجة” وكأن القتل رد فعل طبيعي يمكن تفهمه.
منذ متى أصبح الطلاق جريمة عقوبتها الإعدام؟ ومن أعطى أي رجل الحق في أن يتحول إلى قاضٍ وجلاد ومنفذ حكم في لحظة واحدة؟
لا يوجد قانون على الأرض يبرر رصاصة في صدر امرأة
لا يوجد دين سماوي يبيح قتل النساء لأنهن طلبن الرحيل
لا توجد رجولة في رجل يطارد امرأة أعزل ليقتلها ثم يشوه سمعتها بعد موتها.
الحقيقة التي يهرب منها كثيرون أن بعض الرجال تربوا على فكرة خطيرة: “إما أن تبقى لي، أو تُدفن” وهذه ليست غيرة، ولا حبًا، ولا قهرًا من قانون الأسرة، بل عنف صريح وامتلاك مرضي وشعور متجذر بأن المرأة أقل إنسانية وأقل حقًا في الحياة والاختيار.
والمجتمع شريك في الجريمة حين يصمت،حين يلوم الضحية بدلًا من القاتل،حين يصف القاتل بأنه “اتعصب” أو “اتقهرت رجولته”،حين يحول الدم إلى نقاش أخلاقي عن المرأة بدلًا من مواجهة الوحشية الذكورية المتزايدة.
كم امرأة يجب أن تُقتل حتى نفهم أن المشكلة ليست في القوانين، بل في العقول التي ترفض فكرة أن المرأة كائن حر؟
كم سيدة يجب أن تُدفن لأن رجلًا لم يتحمل فكرة الرفض؟ وكم قاتلًا سيخرج من المحكمة وهو واثق أن هناك من سيدافع عنه فقط لأنه رجل؟
النساء لا يحتجن خطبًا عن الصبر، بل أمانًا حقيقيًا، لا يحتجن من يسألهن “ماذا فعلتِ ليستفزك؟”، بل من يسأل القاتل: “بأي حق قتلت؟”
القتل ليس رأيًا.
والعنف ليس رجولة
والمرأة ليست هدفًا مباحًا لكل رجل فشل في السيطرة على غضبه أو غروره أو شعوره بالامتلاك