شكّلت مشاركة الرئيس عبد الفتاح السيسي في قمة «أفريقيا – فرنسا» التي استضافتها نيروبي خلال مايو 2026، محطة جديدة تؤكد ثبات الرؤية المصرية في إدارة السياسة الخارجية، القائمة على التوازن بين حماية المصالح الوطنية والانخراط الفاعل في صياغة التوازنات الإقليمية والدولية، انطلاقًا من إدراك عميق لطبيعة التحولات التي يشهدها العالم، وما تفرضه من تحديات على الدول النامية والقارة الأفريقية على وجه الخصوص.
فقد جاءت مشاركة الرئيس عبد الفتاح السيسي في القمة في توقيت بالغ الحساسية، يتسم باضطراب الاقتصاد العالمي، وتصاعد التوترات الجيوسياسية، وتفاقم أزمات الغذاء والطاقة والديون، وهي ملفات تعاملت معها الدولة المصرية خلال السنوات الأخيرة برؤية استراتيجية شاملة، سعت إلى بناء اقتصاد أكثر قدرة على الصمود، وتعزيز استقلالية القرار الوطني، مع الحفاظ على الانفتاح والتعاون مع مختلف الشركاء الدوليين.
وفي كلمته أمام القمة، عبّر الرئيس عبد الفتاح السيسي عن صوت أفريقيا الحقيقي، حين طرح بوضوح ضرورة إصلاح الهيكل المالي الدولي، وتخفيف أعباء الديون عن الدول الأفريقية، وتوفير تمويل عادل ومستدام للتنمية، مؤكدًا أن تحقيق الاستقرار السياسي والأمني يرتبط ارتباطًا وثيقًا بتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية. ولم يكن الطرح المصري مجرد خطاب سياسي، بل انعكاسًا لتجربة عملية خاضتها الدولة المصرية في تنفيذ برنامج إصلاح اقتصادي واسع النطاق، بالتوازي مع تطوير البنية التحتية، وتعزيز شبكات النقل والطاقة والاتصالات، بما رسّخ مكانة مصر كبوابة محورية للقارة الأفريقية.
كما عكست تحركات الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال القمة قدرة الدبلوماسية المصرية على إدارة الملفات الخارجية متعددة الأبعاد؛ فمن ناحية، عززت القاهرة شراكتها الاستراتيجية مع فرنسا في مجالات الاقتصاد والطاقة والثقافة والتعليم، ومن ناحية أخرى، واصلت التنسيق بشأن القضايا الإقليمية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية والأوضاع في السودان وليبيا، انطلاقًا من دور مصر التاريخي كركيزة للاستقرار الإقليمي.
ولعل اللافت في السياسة الخارجية المصرية خلال السنوات الأخيرة أنها لم تعد تقتصر على البعد السياسي التقليدي، بل أصبحت توظف أدوات القوة الشاملة للدولة، بما فيها الثقافة والتعليم والتعاون التنموي، لتعزيز الحضور المصري دوليًا وأفريقيًا. وهو ما بدا جليًا في الزخم الذي تشهده العلاقات المصرية الفرنسية، وفي حرص القيادة السياسية على بناء شراكات تقوم على المصالح المتبادلة والاحترام المتوازن.
إن مشاركة الرئيس عبد الفتاح السيسي في قمة نيروبي لم تكن مجرد حضور دبلوماسي، بل جاءت تأكيدًا لدور مصر كدولة تمتلك رؤية واضحة لإدارة الأزمات وصناعة التوازنات، وتسعى إلى ترسيخ نموذج تنموي وسياسي يربط بين الأمن والاستقرار والتنمية، في عالم تتزايد فيه التحديات وتتراجع تتراجع فعالية النظام الاقتصادي العالمي.