في لحظة دولية فارقة، تتشابك فيها الأزمات الاقتصادية مع الصراعات الجيوسياسية، وتتعاظم خلالها الفجوة بين الشمال والجنوب، جاءت كلمة الرئيس عبد الفتاح السيسي أمام القمة الأفريقية الفرنسية المنعقدة في نيروبي، لتتجاوز حدود الخطاب السياسي التقليدي، وتتحول إلى إعلان موقف تاريخي يعكس إدراكًا مصريًا عميقًا لطبيعة التحولات الكبرى التي يشهدها العالم، ولحجم الظلم البنيوي الذي بات يطوق اقتصادات الدول النامية، وفي مقدمتها القارة الأفريقية.
لم تكن الكلمة مجرد مداخلة بروتوكولية في قمة دولية، وإنما بدت أقرب إلى مرافعة سياسية واقتصادية باسم أفريقيا بأكملها؛ مرافعة تستند إلى قراءة واقعية لطبيعة النظام المالي العالمي، الذي لم يعد قادرًا، بصيغته الحالية، على تحقيق الحد الأدنى من العدالة أو الإنصاف، بعدما تحولت أدواته ومؤسساته إلى عبء إضافي على الشعوب التي تعاني أصلًا من تداعيات أزمات لم تكن طرفًا في صناعتها.
ومنذ اللحظة الأولى، وضع الرئيس القضية في إطارها الحقيقي، حين أكد أن السلام والتنمية وجهان لعملة واحدة، وأن غياب أحدهما يعني بالضرورة انهيار الآخر. وهي رؤية تحمل دلالات استراتيجية عميقة، خصوصًا في ظل ما يشهده العالم من توترات ممتدة، ألقت بظلالها الثقيلة على الاقتصاد الدولي، وأربكت أسواق الطاقة والغذاء وسلاسل الإمداد، لتدفع الدول الأفريقية الثمن الأكبر، رغم أنها الأقل مساهمة في صناعة تلك الأزمات.
وفي واحدة من أكثر محطات الخطاب أهمية ووضوحًا، توقف الرئيس عند أزمة الديون السيادية التي تخنق اقتصادات العديد من الدول الأفريقية، مشيرًا إلى أن بعض هذه الدول بات يوجه موازناته لخدمة الدين أكثر مما ينفقه على التعليم والصحة مجتمعين. وهي إشارة شديدة الدلالة، تكشف حجم الاختلال القائم في بنية الاقتصاد العالمي، حين تتحول الديون من وسيلة لدعم التنمية إلى أداة لاستنزاف مقدرات الشعوب وتعطيل فرص المستقبل.
هنا تحديدًا، برزت الرؤية المصرية بوصفها مشروعًا متكاملًا لإعادة التوازن إلى النظام الاقتصادي الدولي، وليس مجرد طرح نظري أو خطاب احتجاجي. فقد جاءت الدعوة إلى إصلاح النظام المالي العالمي باعتبارها ضرورة إنسانية وسياسية وأخلاقية قبل أن تكون مطلبًا اقتصاديًا، وهو ما انعكس في الطروحات العملية التي تضمنتها الكلمة، وفي مقدمتها التوسع في آليات مبادلة الديون بمشروعات تنموية، وتعزيز أدوات التمويل المستدام، وزيادة الاعتماد على السندات الخضراء، وتطوير سياسات البنوك متعددة الأطراف، إلى جانب حشد استثمارات القطاعين العام والخاص لخلق مسارات تنموية أكثر عدالة واستدامة.
كما عكست الكلمة فهمًا مصريًا متقدمًا لطبيعة الأولويات الأفريقية، حين ركزت على دعم اتفاقية التجارة الحرة القارية، وتعزيز سلاسل الإمداد داخل القارة، وتشجيع الصناعات الوليدة، وبناء قدرات الشباب الأفريقي، وهي رؤية تتجاوز فلسفة الاعتماد على المساعدات التقليدية، نحو تأسيس اقتصاد أفريقي أكثر استقلالًا وقدرة على المنافسة والإنتاج.
وفي سياق متصل، حمل حديث الرئيس عن مواصلة الدولة المصرية تنفيذ برنامجها الطموح للإصلاح الاقتصادي، رغم تعاقب الأزمات الإقليمية والدولية، رسالة واضحة بأن مصر تتحرك وفق رؤية استراتيجية طويلة المدى، تستهدف بناء اقتصاد قادر على الصمود والتكيف مع المتغيرات العالمية. كما أن الإشارة إلى مشروعات البنية التحتية العملاقة في مجالات النقل والطرق والاتصالات والخدمات اللوجستية، لم تكن مجرد استعراض لإنجازات داخلية، بل تأكيدًا على أن مصر تعمل على ترسيخ موقعها كمحور رئيسي للتجارة والاستثمار والتنمية داخل القارة الأفريقية.
ولعل من أبرز ما ميز الكلمة أيضًا، أنها لم تكتفِ بتشخيص الأزمة أو توصيف التحديات، وإنما طرحت بوضوح قضية حوكمة الاقتصاد العالمي، وهي مسألة تحمل أبعادًا سياسية تتجاوز الحسابات الاقتصادية المباشرة، وتعكس إدراكًا متزايدًا لدى دول الجنوب بأن المؤسسات الدولية بصيغتها الراهنة لم تعد تعبر عن التوازنات الحقيقية في العالم، وأن إصلاحها لم يعد رفاهية سياسية، بل ضرورة ملحة لضمان نظام دولي أكثر توازنًا وعدالة.
لقد كشفت كلمة الرئيس عبد الفتاح السيسي في نيروبي عن حجم الحضور السياسي الذي باتت تتمتع به الدولة المصرية في الملفات الدولية الكبرى، كما عكست قيادة تمتلك رؤية واضحة لطبيعة التحولات العميقة التي يشهدها العالم، وتتحرك بثقة دفاعًا عن مصالح شعوب المنطقة وحق الدول النامية في مستقبل أكثر عدالة واستقرارًا.
إنها لم تكن مجرد كلمة في قمة دولية، بل كانت تعبيرًا صريحًا عن رؤية دولة تعرف جيدًا أين تقف، وإلى أين تريد أن تصل؛ دولة تؤمن بأن قوة الأمم لا تُقاس فقط بما تمتلكه من موارد وإمكانات، وإنما أيضًا بقدرتها على الدفاع عن قضايا الحق والتنمية والاستقرار، في عالم تتسارع فيه التحولات وتتعاظم فيه التحديات.