محمد الأحمدى

التوعية قبل العلاج في قانون الأحوال الشخصية

الأربعاء، 13 مايو 2026 03:00 م


عندما نناقش مشروع قانون الأسرة، ينصب التركيز غالبًا على القضايا التي تظهر بعد وقوع المشكلة: كيف يتم الطلاق؟ ما قواعد الحضانة والرؤية؟ وكيف تُحسم النزاعات أمام القضاء؟ وهذه كلها أمور مهمة وضرورية، لكن هناك سؤالًا أبسط وأكثر أهمية: لماذا ننتظر حتى تقع المشكلة أصلًا؟

الحقيقة أن كثيرًا من الأزمات الأسرية كان يمكن تجنبها من البداية لو حصل الشباب والفتيات على إعداد جيد قبل الزواج. فالزواج ليس مجرد احتفال أو عقد قانوني، بل مسؤولية كبيرة تحتاج إلى فهم ونضج واستعداد حقيقي.

ومع ذلك، فإن مشروع القانون الحالي، رغم أهميته، لا يتضمن نصًا واضحًا يلزم المقبلين على الزواج بحضور برامج تأهيل تساعدهم على فهم معنى الحياة الزوجية، وما لهم من حقوق وما عليهم من واجبات.

هذه البرامج يجب ألا تقتصر على الوعظ الديني فقط، بل ينبغي أن تقدم للشباب معرفة عملية ومبسطة: كيف يتحاور الزوجان؟ كيف يحلان الخلافات؟ كيف يدير كل طرف مسؤولياته؟ ما الحقوق القانونية لكل منهما؟ وكيف يبنيان أسرة مستقرة تقوم على الاحترام والتفاهم؟ كما يجب أن تتناول الجوانب النفسية والتربوية والصحية والثقافة الجنسية السليمة، لأن الجهل بهذه الأمور كثيرًا ما يؤدي إلى سوء فهم ومشكلات قد تتطور إلى عنف أو انفصال.

ومن هنا، أرى أن من المفيد أن يتضمن القانون نصًا واضحًا مثل:

"يشترط لإتمام الزواج اجتياز الخاطبين برنامجًا تأهيليًا معتمدًا تنظمه الجهات المختصة، يشمل الجوانب الدينية والنفسية والاجتماعية والقانونية والصحية، وتحدد اللائحة التنفيذية مدة البرنامج ومحتواه وآلية إثبات اجتيازه."

وجود هذا النص لن يكون مجرد إجراء شكلي، بل خطوة عملية لحماية الأسرة من كثير من المشكلات. فكلما كان الزوجان أكثر وعيًا، زادت قدرتهما على تجاوز الخلافات، وانخفضت احتمالات الطلاق والعنف الأسري، وتوفرت بيئة أكثر استقرارًا للأطفال. كما أن ذلك سيخفف العبء عن المحاكم ومكاتب التسوية، ويوفر على المجتمع الكثير من الخسائر الإنسانية والاجتماعية.

وفي الواقع، توجد بالفعل مبادرات مهمة في هذا المجال، مثل مبادرة مودة التابعة لوزارة التضامن الاجتماعي، إلى جانب البرامج التي تقدمها الكنائس ومعاهد المشورة الأسرية. لكن هذه الجهود، رغم قيمتها الكبيرة، ما تزال بحاجة إلى دعم قانوني يجعلها أكثر انتشارًا واستمرارية.

في النهاية، القانون الجيد لا يقتصر على حل النزاعات بعد وقوعها، بل يساعد الناس على تجنبها من الأساس. وإذا نجح مشروع قانون الأحوال الشخصية في ترسيخ فكرة التأهيل قبل الزواج، فإنه لن ينظم العلاقات الأسرية فقط، بل سيسهم في بناء جيل أكثر وعيًا ونضجًا، قادر على تأسيس أسر مستقرة ومجتمع أكثر تماسكًا.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة