ترجل الفارس عن صهوة إبداعه، وانطفأ سراج كان يضيء عتمة الفن بوقاره، بالأمس، غادر عالمنا الفنان القدير عبد الرحمن أبو زهرة، بعد رحلة عطاء لم تكن مجرد "تمثيل"، بل كانت دروساً في الحياة، ورسائل حب مغلفة بإتقان مذهل، ومسيرة جعلت منه رقماً صعباً في معادلة "القوى الناعمة" المصرية.
من منا ينسى "المعلم إبراهيم سردينة"؟ ذلك الرجل الذي لم يكن مجرد تاجر خردة في "لن أعيش في جلباب أبي"، بل كان فيلسوفاً شعبياً يوزع الحكمة كما يوزع بضاعته.
لقد نجح أبو زهرة أن يجعل من نصائحه لـ "عبد الغفور البرعي" دستوراً للنجاح والصبر، حتى أصبحت كلماته "تريند" عابراً للأجيال، يستدعيها الشباب اليوم كأنها كُتبت لهم خصيصاً.
لم يكن أبو زهرة حبيس الأدوار الاجتماعية فحسب، بل كان "سلطان الشاشة" في المسلسلات التاريخية، بملابسه المميزة، ولغته العربية الرصينة التي تنساب من فمه كالشهد، وهيبته التي تجبرك على الإنصات، استطاع أن يعيد إحياء التاريخ في وجداننا.
كان يرتدي الشخصية لا الملابس، فتشعر أن "العمامة" أو "الرداء التاريخي" لم يُصنعا إلا لتقاسيم وجهه التي تحمل عبق الماضي وعظمة الحاضر.
أما الوجه الآخر لهذا العبقري، فكان يسكن في حناجر شخصياته الكرتونية، لقد كان أبو زهرة هو "الصوت" الذي ربى أجيالاً؛ غرس في الصغار قيم الشجاعة والوفاء، وبث في نفوسهم حب الخير عبر نبرات صوته التي لا تُخطئها أذن.
لقد علمنا كيف نكون أوفياء ونحن لا نزال في مقتدر العمر، وكأن صوته كان "التميمة" التي تحمي براءة الطفولة من زيف الأيام.
وداعاً يا من أسعدتنا كثيراً، ويا من كنت نموذجاً للفنان المثقف الذي يحترم عقل المشاهد.
رحل عبد الرحمن أبو زهرة جسداً، لكن "سردينة" سيظل يبيع لنا الحكمة، وصوته سيظل يهمس في آذان الصغار بالقيم، وهيبته التاريخية ستظل محفورة في ذاكرة السينما والتلفزيون.
وداعاً لأحد أعمدة الفن الذين جعلوا من "الجلباب" رمزاً للعزة والاجتهاد، ومن العطاء رحلة لا تنتهي بانتهاء الأنفاس.