تعدّدت الأسباب والموت واحد، أو الحزن والحرب واليأس وضيق العقول وانخلاع القلوب.. وبُقَع الزيت أيضًا، ولا فارق بين واحدة عند جزيرة «خَرج» فى خليج العرب، وأخرى فى قصيدة ذائعة الصيت لنزار قبانى.
الجُملة الافتتاحية شطر من بيتٍ لابن نُباتة السعدى، من حاشية سيف الدولة الحمدانى.
أى أنه تزامن مع اثنين عظيمين: «أبوفراس» ابن عم الأمير، وقد أجبرته الحياة على أن يكون «عصىَّ الدمع شِيمتُه الصبرُ»، و«المُتنبى» أعظم الأسماء فى مدوّنة الشعر، وصريع قوله الأشهر «الخيل والليل والبيداء تعرفنى».
مُفارقات تعود بنا إلى «نزار» مُجدّدًا، السورى الذى انحشر بين جارين مُحتقنَين دومًا: سهم المحبّة أتاه من العراق، ثم انكسرا معًا بضربة قاتلة باغتته فى بيروت.
وكأنه كان ضحيّةً لمحور المُمانعة فى نسخته الإيرانية، من قبل أن يتشكّل أصلاً، أو يقود المنطقة للهاوية التى بلغتها أخيرا.
أنشد فى مُستهل السبعينيات: «وجعى يمتد كبقعةِ زيتٍ من بيروت إلى الصين»، حوّلها كاظم الساهر لاحقًا فى نُسخته المُغنّاة إلى «سرب حمام»، وقرّب المسافة نحو بغداد.
إنما الحبيبةُ، بلقيس الراوى، أتت من بلاد الرافدين، لتموت فى الشام، وفاءً للنسخة الأصلية من النص.
نُحِّىَ الشعراء والفنّانون والرسّامون جانبًا، بالقهر ودون استشارةٍ أو تخيير، وتنزفُ الخرائط لحمًا ودمًا. نسيت البلادُ العليلةُ كلَّ محاولاتها للنجاة، وما تزال طازجةً ذكرياتُها عن الفتنة الكُبرى، وعن ثارات الأُمويين والخوارج!
تطغى الثقافة على رائحة القِدر، وإن كانت الطبخةُ سياسيّةً بالأساس. وتلك عادتنا من الأزل وإلى الأبد، تطرأ العُقَد على كل شىء، تكبُر وتتحرّك بالقصور الذاتىِّ، وتدُسُّ النكباتُ أنفَها فى كل التفاصيل، عاديِّها قبل الاستثنائى.
بدأت الحرب من محطة التفاوض، وإليها تعود. ردّ ترامب على مُقترَح إيران، وردّت على الردّ، فأعلن فجر أمس أنه غير مقبول على الإطلاق، شاكرًا المُتابعين على اهتمامهم.
وُضِعَت العُصىّ فى الدواليب كما كان مُتوقّعًا. توقّفت العربة، غير أنها لن تدوم طويلاً على الثبات، وستتحرّك قريبًا فى انتظار توقُّفٍ جديد!
لا تُغلق الجمهورية الإسلامية بابها تماما، ولا تفتحه على آخره، كما لا تدخل من أبواب الآخرين المُشرّعة. تُناور وتُماطل وتشترى الوقت، ورهانها على الثغرة والمُصادفة وأن «يلج الجمل فى سَمّ الخياط».
للفُرس حضارة عريقة، وتلك ميزة وعيب فى آن. إنه شعب عاش طويلا، وخَبر الظروف بكل تلاوينها، ومن كلّ مأساة أو ملهاة جرّب صنوفًا وأشكالاً، فلا يأسى لفقدٍ ولا يغتبط بربح، ويعرف أنه حتى لو احترق، سينبعث من الرماد كطائر الفينيق، وكما فعلها غيرَ مرّةٍ من قبل!
بعض المصادر تُعيد شخصية جحا إلى جذرٍ فارسى، ومن نوادره أن تصدّى لمهمّة لدى أحد الملوك، يُعلّم فيها حمارَه الكلام فى عشر سنوات.
وعندما لامَه العارفون باستحالة الأمر، علّل إقدامه الانتحارى بأنه على الموعد لن يكون أحد الثلاثة أطراف الاتفاق موجودًا فى الغالب.
يقضى حائك السجّاد سنواتٍ فى نسج قطعة واحدة، ثمّ يعهد بها إلى تاجر البازار فيخوض جدالاً شاقًّا للوصول إلى أفضل سعر. هكذا أُديرت الأمور فى الحرب والسلم منذ اندلاع ثورة الخمينى، وما تزال.
رُصِد تسريب نفطى ثانٍ قبالة أهم الجُزر الإيرانية، وفيها ثِقَل مرافقها ويخرج منها تسعة أعشار الصادرات. الأولى كانت قبل أيام بنحو 20 كيلو مترًا تقريبا، والثانية ثلاثة أضعافها، والحديث فيهما معًا عن نحو 20 ألف فدانٍ مثلاً.
ضُرِبَت «خرج» ضربة أمريكية قاسية قبل أسابيع، وما تضرّرت أبنيتها أو تسرّب منها شىء.. والاحتمالات اليوم شتّى: ضربة غير مُعلنة، خطوط مُتقادمة، ناقلة مثقوبة، وصول لسعة التخزين الكاملة.
والأخطر، أن تكون مُغامرةً من صقور الحرس لرفع الكُلفة ودقّ ناقوس الخطر، اقتصاديا وبيئيا، وعلى مستوى سلامة المنطقة كلها قريبا وفى المدى البعيد.
يعرف كل طرفٍ ما يُزعج الآخر، ويُجيد الدوس عليه، إنما لا يبذل جهدًا لطمأنته أو استمالته، ناهيك عن فقدان الثِقة بينهما، أو انعدامها من الأساس.
ذهب سيد البيت الأبيض للميدان مجرورًا بحبل يقبض عليه نتنياهو. وأرى أنه من دون الاستثارة العبرية، كان سيذهب للقتال فى كل الأحوال، وكان سيتحوّل اضطرارًا عنه كما جرى بالفعل.
ارتُكِبَت الحماقات كُلّها، ثم جاء التعقُّل فى الوقت الخطأ، وبما لا يُتيح الاستدراك والتصويب. الحصار يضرّ بالملالى وقاعدتهم الصلبة، غير أنهم تكيّفوا طويلاً، واخترعوا منافذ بديلة أيضًا.
حدود وتعاملات مع سبع دولٍ، فضلا على قناة سالكةٍ مع الروس عبر بحر قزوين، وعوائد تتوالى عن صادرات الشهور الأربع الأخيرة، لأن الدفع بالآجل غالبًا. ولعلّ هذا ما دفع الاستخبارات الأمريكية للقول إن خصومهم قادرون على الصمود لمُدّة مُماثلة.
أصوليّو نظام الولىّ الفقيه أيديولوجيون، مُتطرفون، مُخادعون ويمارسون التقيّة، إنما ليسوا أغبياء أو قليلى العقل. شروطهم المُقدّمة عبر باكستان تُلامس المستحيل، ويعرفون ذلك، وكل غايتهم تقطيع الأيام وجعلها جُزرًا معزولة عن بعضها، لقطع طريق الجمهوريين إلى الانتخابات النصفية.
لا عاقل يتصوّر أن يوافق ترامب على الحزمة التالية: إنهاء الحرب على كل الجبهات، مع ضمانات بألا تتكرر، ورفع الحصار فورًا، ثم العقوبات، والاعتراف بالإدارة الإيرانية لمضيق هُرمز، والإفراج عن الأصول المُجمّدة، وكل ذلك مقابل تسليك شرايين الملاحة، ثم الاستعداد للجلوس إلى طاولة تفاوض نووية!
يُريد كل طرف من الآخر أن يُقر بالخسارة. واشنطن مُتقدّمة مع عجزٍ عن الحسم، وطهران مُتأخرة بمقدرةٍ على المراوغة والاستنزاف.
وإذ تُطالب الأولى سِلمًا بما تعذّر عليها قتالاً، تخوض الثانية صراعًا عقائديًّا لا يحتمل التنازل أو الدَنيّة، وطالما أن الهزيمة لا تقع من دون اعتراف المهزوم، فبإمكانها أن تدّعى النصر كما شاء لها الهوى، وتسلبه من الشيطان الأكبر.
اتّسعت بُقعة الزيت، وقد تواصل التمدّد. والحرب كانت شرارة وانتهت إلى حريق. إنها أزمة من النوعية التى تبقى طويلاً، ولا يتخطّاها أطرافها بمُجرّد الرغبة أو القفز فى المكان.
بحيرةُ نفطٍ تعزل الماء عن الماء، يطمع فيها العابر، ويتشبّث بها المُقيم، وتختنق تحتها الأحياء.
خصمان بارعان فى صناعة الموت، وتحويره، وإعادة إنتاجه فى أشكال شتّى، من الشرق للغرب وتحت رايات مُقدّسة أو مُدنّسة.. والمآلات واحدة، مهما تعدّدت الطرق والأسباب.