في مساء 31 مايو 1934 انطلقت الجملة الشهيرة "هنا القاهرة" إيذانًا ببدء البث الرسمي للإذاعة المصرية، بعد سنوات من الإذاعات الأهلية الصغيرة التي ظهرت في عشرينيات القرن العشرين، وارتبطت آنذاك بالمحال التجارية والهواة وبعض التجارب المحلية المحدودة. وجاء تأسيس الإذاعة الرسمية باتفاق مع شركة "ماركوني" البريطانية، قبل انتقالها إلى الإدارة المصرية لاحقًا عام 1947.
ومع انطلاق الإذاعة دخل المصريون عصرًا جديدًا من الاتصال الجماهيري، فتحول الصوت إلى جزء من الحياة اليومية، وصارت البرامج الإذاعية تؤدي أدوارًا ثقافية وتعليمية وترفيهية وسياسية في وقت واحد. كتاب "تاريخ الإذاعة المصرية: دراسة تاريخية 1934 ـ 1952" للدكتور حلمي أحمد شلبي يرصد كيف تحولت الإذاعة خلال سنوات قليلة إلى أداة واسعة التأثير في تشكيل الوعي العام والحياة الاجتماعية في مصر.
في تلك الفترة تشكلت عادات استماع جماعية واضحة، فالراديو حضر في البيوت والمقاهي والورش ووسائل المواصلات، وظهرت برامج ارتبطت بالوجدان المصري مثل "ما يطلبه المستمعون" و"ساعة لقلبك" و"ألف ليلة وليلة"، كما لعبت إذاعة "صوت العرب" منذ تأسيسها عام 1953 دورًا سياسيًا وثقافيًا واسعًا في المنطقة العربية.
الدراسات الخاصة بتاريخ الإعلام المصري تشير إلى أن الراديو امتلك أفضلية مهمة في مجتمع ارتفعت فيه معدلات الأمية خلال النصف الأول من القرن العشرين، لأن الصوت كان وسيلة سهلة للوصول إلى الجمهور، كما أن تكلفة جهاز الراديو جاءت أقل من وسائل الاتصال الأخرى في ذلك الوقت.
ومع انطلاق التلفزيون المصري رسميًا في 21 يوليو 1960، بالتزامن مع الاحتفال بالعيد الثامن لثورة يوليو، بدأت عادات التلقي في التغير تدريجيًا. دخلت الصورة إلى البيت المصري، وبدأ الجمهور ينتقل تدريجيًا من الخيال السمعي الذي صنعته الإذاعة إلى المشاهدة البصرية المباشرة. ومع ذلك حافظ الراديو على حضوره، خصوصًا في فترات الصباح والعمل والقيادة والسهرات الليلية.
وخلال العقود التالية تطورت الخريطة الإذاعية المصرية، فظهرت الإذاعات المتخصصة، ومنها إذاعة "الأغاني" التي انطلقت عام 2000، واستهدفت تقديم التراث الغنائي العربي بصورة حديثة، كما توسعت الإذاعات الشبابية والرياضية والخدمية.
لكن التحول الأكبر في عادة الاستماع جاء مع الإنترنت والهواتف الذكية ومنصات البث الرقمي. وهنا ظهر "البودكاست" بوصفه امتدادًا حديثًا لفكرة الاستماع، مع اختلاف جوهري يتعلق بحرية التوقيت وطبيعة المحتوى. فالمستمع لم يعد مرتبطًا بموعد بث ثابت، بل صار يختار الحلقة والموضوع والوقت المناسب.
مصطلح "بودكاست" ظهر عالميًا عام 2004، مع انتشار أجهزة iPod وتقنيات النشر الصوتي عبر الإنترنت، ثم تحول خلال سنوات قليلة إلى صناعة إعلامية قائمة بذاتها. وتشير دراسات صادرة عن Edison Research وReuters Institute إلى أن الأجيال الأصغر سنًا تميل بصورة متزايدة إلى المحتوى الصوتي الطويل، خصوصًا أثناء القيادة أو ممارسة الرياضة أو التنقل اليومي.
وفي مصر ارتبط انتشار البودكاست بعدة عوامل، منها ارتفاع استهلاك الإنترنت عبر الهاتف المحمول، وزيادة الوقت الذي يقضيه المصريون في المواصلات، إلى جانب تغير طبيعة الجمهور نفسه، ورغبته في محتوى أكثر تخصصًا وهدوءًا وعمقًا.
ولهذا ظهرت تجارب مصرية وعربية في مجالات السياسة والاقتصاد وعلم النفس والسينما والتاريخ والرياضة، واتجهت مؤسسات إعلامية وصحف ومنصات مستقلة إلى إنتاج برامج بودكاست خاصة بها، إدراكًا لتحول عادات التلقي لدى الجمهور.
ورغم التطور التقني الكبير بين راديو الثلاثينيات وبودكاست الهواتف الذكية، فإن العلاقة الأساسية بقيت واحدة وهي الإنسان يبحث دائمًا عن الصوت، وعن الحكاية، وعن الإحساس بالرفقة. ولهذا حافظ الاستماع على مكانته داخل الحياة المصرية، بينما تغيرت الوسيلة، وتبدلت التكنولوجيا، واتسعت المساحات التي يصل إليها الصوت.