يوم الجمعة الماضي يرحل صوت آخر من أصوات الزمن الجميل بفنه الراقي وموسيقاه الخالدة.. وهو الموسيقار العربي المغربي الكبير عبد الوهاب الدكالي عن عمر يناهز 85 عاما في مدينة الدار البيضاء ليلحق برفيقه وصديق عمره الموسيقار عبد الهادي بلخياط الذي ودعه قبل ثلاثة أشهر من وفاته ثم قبل رحيله بأيام قليلة الفنان الكبير هاني شاكر ليطوي رحيل العمالقة الثلاثة صفحة حزينة في تاريخ الموسيقى العربية.
رحل عبد الوهاب الدكالي الملقب بـ" مرسول الحب" وهي أشهر أغانيه- بهدوئه الذي يشبه فنه الراقي. تاركا ثروة فنية بألحان وأغان رافقت أجيالاً كاملة و لامست القلوب بصدق وإحساس نادر.
من الأعمال التي مثلت محطة مهمة في انطلاقة الدكالي في أوائل الستينيات ولم يكن يتجاوز عمره العشرين عاما، قصيدة "أنتِ"، للشاعر التونسي أبو القاسم الشابي، ومن ألحان الموسيقي المغربي عبد النبي الجرار، ويقول مطلعها: "أنت الحياة في قدسها السامي.. وفي سحرها الشجي الفريد.. أنت الحياة في رقة الفجر.. وفي رونق الربيع الوليد.. أنت الحياة كل أوان.. في رواء من الشباب الجديد". جاء صوت الدكالي في هذه القصيدة مفعماً بالنضارة، وكان أسلوبه الغنائي متأثراً بالمدرسة المصرية. وحققت الأغنية نجاحاً كبيراً، وصارت جزءاً من قصة صعود الوكالي في الحياة الفنية المغربية.
الدكالي من مواليد2 يناير 1941 بمدينة فاس خلال الحماية الفرنسية على المغرب، وسط أسرة محافظة وكان أحد أبنائها الثلاثة عشر. في عام 1959، ذهب إلى الرباط، حيث عمل لفترة وجيزة في الإذاعة والتلفزيون المغربي، ولكنه لم يحب تلك التجربة، فشجعه زملاؤه على الانتقال إلى الدار البيضاء حيث دخل لأول مرة ثقافة الموسيقى.
في سنة 1958، تلقى عبد الوهاب الدكالي تدريبًا في المسرح صحبة «فرقة المعمورة» تحت رعاية أساتذة فرنسيين. وفي سنة 1959، قام بإنجاز أول تسجيل لأغنية «مول الخال»، ثم سجل أغنية «يا الغادي في الطوموبيل». وفي سنة 1962 قام بجولته الأولى إلى الشرق العربي فأقام لمدة طويلة في القاهرة.
محطة القاهرة هي المحطة الغنائية والفنية الأبرز في مشوار الدكالي فقد جاء في عمر مبكر – 21 عاما-
كان أول ظهور للدكالي في بداية مشواره الفني بالقاهرة(هوليود الشرق) في فيلم "منتهى الفرح" سنة 1963 وعرض يوم 14 أكتوبر من اخراج وتأليف محمد سالم وسيناريو وحوار جليل البنداري وظهر فيه مجموعة كبيرة من الفنانين وعلى رأسهم الموسيقار محمد عبد الوهاب الذي غنى " هان الود" وبد الدكالي صغيرا جدا و هو يغني اغنية بعنوان "كانت أيام حلوة" أو" أرق كلام " ونجوى فؤاد ترقص على هذه الأغنية.
كان الموسيقار محمد الموجي أول من اتصل به لحظه هبوطه القاهرة واتفق معه على اللقاء، وفى خلال ساعة كان الموجى ينتظره بمكتبه، وتناول الشاب المغربي الصغير العود وأخذ يعزف عليه ثم غنى بعض أغنياته بلهجته المغربية التى لم يفهمها منها كثيرا الموجى ، ولكن الملحن الخبير استطاع أن يلمس بأذنيه شيئًا بديعا فى صوت المطرب الصغير، فطلب منه أن يغنى لحنا عربيا حديثا، فغنى قصيدة (لا تكذبى)، وأغنية (هان الود)، وكلما سكت الدوكالى أو توقف عن الغناء، قال له الموجى بصوت عالٍ: (سكت ليه.. غنى.. فى صوتك حاجة بتاخدني).
وانصرف المطرب القادم من المغرب إلى بيته بشارع (الأنتيكخانة)، وما كاد يفتح الباب بالمفتاح حتى وجد جرس التليفون يرن دون انقطاع ، ليتهادى الى أذنه صوت الموجى وهو يطلب منه أن يغنى له لحن (مغرور) ، وظل الموجى يلاحقه بالتليفون يوما بعد يوم، وأسبوعا بعد أسبوع، لكنه لم يتقدم معه خطوة واحدة فى نظير أن يقدم له لحنا جديدا يقوم بدور التعارف بين صوته وآذان الجماهير.
أثناء ذلك كان المخرج محمد سالم يبحث عن شيء جديد يقدمه فى فيلمه الاستعراضى الذى يقوم بإخرجه تحت اسم (القاهرة فى الليل)، كان يبحث عن وجه جديد، أوصوت جديد أو لحن جديد، ووضع القدر فى طريقه هذا الصوت القادم من المغرب عبد الوهاب الدوكالي، وبدأ سالم يبحث لهعن اللحن الجديد وطلب من مؤلف الأغانى حسين السيد أن يكتب له أغنية جديدة، فكتب هذه الكلمات:
حكايتى ويا حبي، ح أقولها فى كلمتين
ضحك لى يوم لقانى باعت له ضحكتين
قابلنى بفرحة حلوة، قابلته بفرحتين
وتانى يوم لقيته بينسى شافنى فين
نسينى مرة واحدة، نسيته مرتين.
أعجب محمد سالم بالكلمات وأخذ الأغنية وبدأ يبحث عن الموجى وطلب منه تلحين الأغنية ومضى أسبوع وراء أسبوع، والمطرب الجديد عبد الوهاب الدوكالي ينتظر اللحن الذى سيقوم بدور التعارف بين صوته وآذان الجماهير، ولكن الموجى لم يلحن حرفا واحدا، وظل الشاب المتطلع إلى التألق فى عاصمة الفن والنجوم يطارد الموجى فى كل مكان، فى مكتبه وفى بيته وفى الإذاعة، وفى كل لقاء كان الموجى يطمئنه على انتهائه من اللحن.
قبل تصوير الفيلم بيومين ساعة فقد الدوكالى الأمل فى غناء لحن الموجى، وبكى ، لكن حسين السيد نصحة بأن يلحن الأغنيه بنفسه، فسأل عبد الوهاب الدوكالى: (وهل يوافق المخرج على أن أتولى تلحين الأغنية بنفسي؟!)، فقال له حسين السيد: (المخرج لا يهمه إلا أن يقدم أغنية ناجحة).
وفى الواحدة بعد منتصف الليل، بدأ عبد الوهاب الدوكالى يلحن الأغنية بنفسه، وفى السادسة من مساء اليوم نفسه وقف أمام عدسات التصوير ليغنى اللحن الذى طارد به الموجى لمدة شهرين ولحنه هو فى بضع ساعات.
خلال فترة إقامة الدكالي في القاهرة قدم الرجل عدداً من الأغاني ذات الطابع المصري الخالص، التي تخلو بالكلية من أثر اللكنة المغربية، أو أساليب التلحين المعتادة هناك. شارك الدكالي في احتفالات ثورة يوليو عام 63 بأغنية "بقالنا يومين متخاصمين"، وبدا فيها مطرباً مصرياً خالصاً، لا يختلف عن عبد الحليم حافظ، أو محمد قنديل، أو عبد الغني السيد.
كان عبد الوهاب الدكالي مصرياً خالصاً وهو يغني في مصر، ومغربياً أصيلاً وهو يغني في وطنه.
وشارك الدكالي بالغناء في فيلم " القاهرة في الليل" من اخراج محمد سالم أيضا الى جانب عدد كبير من النجوم مثل صباح وشادية ونجاة ونجوى فؤاد وفؤاد المهندس ومحمد قنديل ومها صبري وليلى طاهر وفايزة أحمد وحسن فايق وثلاثي أضواء المسرح
وشارك أيضا فيلم رمال من ذهب من انتاج عام 1971 من اخراج يوسف شاهين بطولة سيدة الشاشة العربية فاتن حمامة والموسيقار وعدد من الفنانين الأسبان مثل إيلينا ماريا تيخيرو روبين روخو كارولوس مونوز والفنان عبد الوهاب الدكالي ودريد لحام ونهاد قلعي
وفيلم أين تخبئون الشمس انتاج عام 1980 اخراج عبد الله المصباحي ومن ألحان وغناء عبد الوهاب الدوكالي وعبد الهادي بلخياط ومحمد الموجي و بطولة نادية لطفي ونور الشريف وعادل ادهم ومحمود المليجي وحمدي حافظ
وفيلم الضوء الأخضر انتاج عام 71 من اخراج عبد الله المصباحي وبطولة فريد شوقي ويحيى شاهين وعبد الوهاب الدوكالي وليلى طاهر وليلى حمادة
كان من أشد المعجبين بالموسيقار محمد الموجي أن الموسيقار محمد الموجي رغم اعتباره الموسيقار محمد عبد الوهاب القدوة الموسيقية له. وفي حوار صحفي معه لاحدى المجلات المصرية وهي مجلة آخر ساعة سئل عن أفضل الملحنين بحسب ترتيب اعجابه بهم ذكر اسم الموجى أولا، ثم كمال الطويل وبليغ حمدى فى المرتبة الثانية، واختار عبدالعظيم محمد فى المرتبة الثالثة.
لم يسلم عبد الوهاب الدكالي خلال إقامته بمصر من اتهامات التغريب والسرقة اللحنية، بل وتشويه الموسيقى الشرقية. واجه انتقادات شديدة لأغنيته "إوعي تقصي شعرك"، بسبب استخدامه إيقاع التويست، وهو أحد أشهر الإيقاعات الراقصة التي اجتاحت العالم في الستينيات، ويُعتمد على موسيقى الروك آند رول. لكن الدكالي أو غيره من الملحنين والمطربين كانوا جزءاً من المشهد الموسيقي العالمي المتغير في تلك الفترة، فلم تكن الموسيقى العربية بعيدة عن هذه الموجة، فقد استلهم الملحنون العرب هذا الإيقاع ودمجوه في بعض الأغاني السينمائية الخفيفة في الستينيات لتواكب الموضة العالمية حينها، وظهر ذلك بوضوح في بعض استعراضات فرقة رضا، ولاحقاً ظهر في أغاني موجة الأفلام الشبابية.
واجهه الدكالي أيضا اتهامه بالنقل الحرفي المتطابق لألحان بعض المقاطع والجمل من أغاني العندليب الأسمر عبد الحليم حافظ، وتركيبها على كلمات مختلفة، وذلك خلال السنوات السبع التي تم منع فيها حليم من الغناء في المغرب، بعدما غنى للجزائر في فترة اضطراب العلاقات بين الدولتين الجارتين. ويعتقد الكثيرون ومنهم الدكالي نفسه بأنه لم يفعل ذلك الا محبة وتقديراً منه لأعمال عبد الحليم.
وبالرغم من حساسية هذه الاتهامات، إلا أن كل الأعمال في قائمة الاقتباسات هذه لا تشكل شيئاً مهماً في مسيرة الدكالي، فقد أنجز عدداً كبيراً جداً من الألحان التي أداها بنفسه، أو غناها مطربون آخرون. وتقدر تقريبا بحوالي 500 أغنية بصوته، وتمثل جزءاً من أعماله التي تقارب ألفي أغنية.
ربطت الدكالي بالعندليب الأسمر عبد الحليم حافظ صداقة عميقة وكان أو ل منزل يزوره حليم في المغرب هو منزل عبد الوهاب الدوكالي وتحتفظ ذاكرة الغناء العربي بتسجيلات للعندليب وهو يغني أغني الدوكالي باللهجة المغربية مثل أغنية لا تسألني سنة 1974 وأغنية " ما أنا إلا بشر" التي غنتها أيضا صباح في الستينات، وأغنية" حبيتك هكدا " وغنء الدوكالي لـ"فاتت جنبنا "، وهناك أغنية لحنها الدوكالي للعندليب اأسمر بعنوان " حكاية هوى" ولكن لم تتاح ظروف مرض حليم وسفره المتكرر للعلاج أن يغنيها
وغنى عبد الحليم حافظ باللهجة المغربية بعض الاغاني منها لاتسألني وماني الا بشر وجزء من فاتت حنبنا . وضم ألبوم صور الدكالي لحظات خالدة واستثنائية تجمعه مع حليم في مناسبات عديدة وفي منزله.
علاقته بالملك الحسن الثاني كانت علاقة طيبة وغنى له عدة أغاني لكن ذلك لم يمنع أن تعرض الدكالي لغضبة فنية ملكية طريفة. كان الملك الحسن الثاني غالبا عندما يستضيف الفنانين إلى قصره يتأخر كثيرا عن موعد انطلاق الحفل، فيضطر الفنانون إلى الانتظار.. عبد الوهاب الدكالي تأخر في الحضور للقاء الملكي بإفران حتى لا ينتظر طويلا، لكن الذي حدث هو أن الحسن الثاني حضر الحفل في التوقيت المحدد لانطلاقه، وحينما حضر سأل عن الفنانين، ليجيبه "المكلف" بأن الكل حضر في موعده إلا الفنان عبد الوهاب الدكالي.. فأسرها الملك في نفسه ولم يبد غضبه لأحد.
حضر الموسيقار الدكالي متأخرا، وجلس بين الحضور ينتظر وصلته بالحفل، ويخمن: "ها هم سينادون عليه ليؤدي أغانيه، لقد تعمدوا تأخيره ليتمتع الملك بغنائه، لا شك أن نوبته بعد هذا المغني"، ولكن كلما شرف الحفل على ختامه، كان قلق عبد الوهاب الدكالي يزداد، وبالفعل فقد تم إقصاؤه عمدا، الأكثر من ذلك أن الفنان الدكالي عندما خرج من قاعة الحفل، وهو متذمر من معاقبته بسبب تأخره عن الموعد، وجد سيارته على وضع غريب، حيث اكتشف بأن العجلات الأربع لسيارته مفرغة من الهواء، فاضطر في عز البرد القارس والثلوج إلى المبيت داخل سيارته، وتعاطف بعض خدم القصر مع الفنان الكبير ومنحوه أغطية تقيه قسوة الطقس.. الطريف أن الملك الراحل هو الذي أعطى الأمر كي تفرغ عجلات سيارة الدكالي من الهواء عقابا له على تأخره.. كان مجرد غضب فني بقي مثل الطرفة التي يتندر بها الفنانون.
وهب الدكالي حياته الفنية على مدى أكثر من خمسين عامًا لإسعاد الجماهير من خلال أعمال تمزج بين الزجل المغربي العميق، والموسيقى المتجذّرة في الأصالة، واللغة العربية الفصحى منذ انطلاق مسيرته الفنية عام 1957. وساهم في تطوير الأغنية المغربية مع الحفاظ على أصالتها بأسلوبه الفريد، كما تميز في مجال التلحين، لتظل أعماله علامة فارقة في تاريخ الموسيقى المغربية
حصل الدكالي على العديد من الجوائز والتكريمات منها، اختياره عام 1991، " شخصية العام العربي "من قبل هيئة الإذاعة البريطانية في لندن ، والجائزة الكبرى خلال الدورة الأولى لمهرجان الأغنية المغربية بالمحمدية عام 85، والجائزة الكبرى خلال الدورة الثانية لمهرجان المغرب الدولي بمراكش (1993)،جائزة مدينة أتلانتيك سيتي الفخرية (1995)
، جائزة مهرجان القاهرة الدولي للأغاني (1996)
وبالرغم من الأهمية الكبيرة لهذه الجوائز والتكريمات، إلا أن تكريمه في مصر الذى توهج وتألق فيها، كان له مكانة خاصة عنده، ففوزه بلقب "أفضل مبدع موسيقي"، عام 1996 باختيار لجنة تحكيم مهرجان القاهرة الدولي للأغاني، اعتبره الدكالي إنجازاً هائلاً، واعترافاً فنياً في بيئة تعتبر نفسها معقل الفن الموسيقي والغنائي
رحل الدكالي القامة الفنية الكبيرة في تاريخ الموسيقى العربية و ترك تراثا فنيا هائلا وكان بالفعل -وسيظل- هو " عميد الأغنية المغربية".