محمود عبد الراضى

عبقرية التجاهل

الإثنين، 11 مايو 2026 03:44 م


في عالم مهووس بـ "الفلترة" وتلميع الوجوه خلف شاشات زجاجية، نجد أنفسنا في سباق محموم لتصحيح المفاهيم الخاطئة عنا، كأننا نقف في قفص الاتهام أمام قاضٍ لم ينصبه أحد.

لكن، هل سألت نفسك يوماً عن تكلفة هذا الاستنزاف؟ إن أعلى مراتب التوازن النفسي لا تكمن في قدرتك على إقناع الآخرين بنقائك، بل في شجاعتك على تركهم يغرقون في سوء ظنهم بسلام.


نحن نعيش "دراما التبرير"، حيث يستهلك الفرد منا طاقته الروحية في تلوين صورته التي شوهتها ظنون الآخرين، ناسياً أن الظن هو "مرآة الظان" لا حقيقة المظنون.

إن السعي لتصحيح سوء الظن بك هو في الحقيقة اعتراف ضمني بأن سلطة الآخرين على سلامك الداخلي أقوى من سلطتك أنت، هو نوع من العبودية الطوعية لآراء قد لا تصمد أمام أول اختبار للحقيقة.

الحقيقة لا تحتاج إلى محامٍ بارع بقدر ما تحتاج إلى قلب مستغنٍ، عندما تتوقف عن محاولات "غسل" سمعتك في عقولهم، أنت لا تمارس الهروب، بل تمارس "التعالي النفسي".

أنت تخبرهم صراحة: "ظنونكم بضاعة ردت إليكم، وأنا غير معني بصرفها"  هذا النوع من الصمت ليس ضعفاً، بل هو "ضجيج الحكمة" الذي يربك المتربصين.

إن التوازن الحقيقي هو أن تمشي بين الناس بروح خفيفة، لا تثقلها رغبة في إثبات البراءة، فالأشخاص الذين يصرون على رؤيتك من ثقب إبرة ضيق، لن يغيروا نظرتهم مهما اتسعت رقعة بياضك، فلماذا تحرق وقودك في محرك معطل؟

السكينة تبدأ من اللحظة التي تدرك فيها أنك لست "مشروعاً للتحسين" في عيون الآخرين، وأن ذمتك بريئة أمام الله ونفسك.

دعهم ينسجون من الأوهام ما يشاؤون، ودعك أنت في طمأنينة "المنطقة الدافئة"، حيث لا سعي، لا تبرير، ولا التفات، في النهاية، سيغادر الجميع وتبقى أنت مع "أنت"، فاحرص أن تكون تلك العلاقة هي الأنقى، بعيداً عن لوثة الظنون.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة