لعقود طويلة، ظلت "أسطورة الكفاح" السرديةَ الحاكمة في الوجدان المصري؛ حيث اقترن الارتقاء الطبقي بالتعليم المنهجي، وبات النجاح ثمرةً حتمية لسنوات من المثابرة والجهد. غير أن قراءةً سوسيولوجية فاحصة للمشهد الراهن عبر فضاء "السوشيال ميديا"، تكشف عن زلزال قيمي يعصف بأحلام الأجيال الصاعدة، إذ تراجعت طموحات الانخراط في المهن الرصينة لصالح لهاث محموم نحو لقب "صانع محتوى"، طمعاً في ثراء سريع يتحقق بضغطة زر.
هذا التحول الجذري يتجاوز كونه مجرد "تريند" عابر، ليجسد ظاهرة سوسيولوجية معقدة تتمثل في "تسليع الحياة اليومية". لقد أسست المنصات الرقمية اقتصاداً موازياً يرتكز على "رأسمالية الانتباه" ومبدأ الاستعراض؛ حيث أضحت أدق تفاصيل الحياة قابلة للمتاجرة من أجل حصد المشاهدات. وفي سبيل مراكمة هذا "الرأس المال الرقمي"، نشهد انتهاكاً طوعياً وصادماً للخصوصية، لتتحول الغرف المغلقة والخلافات الأسرية إلى محتوى مشاع يُبث لجمهور يستهلكه بنهم غير مسبوق.
ويكمن المنعطف الأخطر لهذه الظاهرة في صدامها المباشر مع "قيمة العمل" داخل العقل الجمعي. فكيف يتسنى لمؤسسة الأسرة إقناع أبنائها بجدوى التحصيل العلمي، أو كيف نرسخ في وجدان الشباب أهمية التدرج المهني وبناء مستقبل مستدام، في حين تحاصرهم الشاشات بنماذج لأقرانهم يراكمون ثروات طائلة لمجرد تقديمهم محتوى ساخراً أو مشاركتهم في تحديات عبثية؟ لقد صدرت هذه المنصات وهْم "النجاح الخاطف"، مغفلةً مسيرة الكفاح، ما أفرز جيلاً يعاني من الهشاشة النفسية والتعجل، مستخفاً بقيمة العمل التقليدي، ومكابداً شعوراً بالدونية إن لم يدرك هذا الثراء المصطنع.
فضلاً عن ذلك، أحدثت الظاهرة خلخلة بنيوية في مفهوم "النموذج المرجعي" أو القدوة. فقد توارت النماذج الجادة —كالعالم والمثقف والعامل الماهر— إلى الظل، ليتصدر المشهدَ "حراسُ بوابة" جُدد، أفرزتهم خوارزميات المنصات، يمتلكون سطوة الانتشار والثروة، لكنهم يفتقرون للعمق القيمي والثقافي اللازم لبناء وعي مجتمعي سليم.
نحن هنا لا ندعو إلى الانعزال عن معطيات العصر الرقمي، فهذا مسار حتمي، بل ندق ناقوس الخطر لتستعيد مؤسسات "التنشئة الاجتماعية" دورها الفاعل في ضبط البوصلة. إننا في أمسّ الحاجة إلى تفكيك هذا الوهم أمام أبنائنا، وإعادة الاعتبار لثقافة الإنتاج والعمل الحقيقي، قبل أن نجد أنفسنا أمام جيل يبحث عن مستقبله في عدسة هاتف، بينما تتعطل تروس التنمية في أرض الواقع.