التأمت الجمعية العمومية عن غير قصدٍ أو دعوة. وليس من عادة الصحفيين أن يتجمّعوا عرضًا، ولا بتلك السهولة المفرطة.
يعود الفضل لشاب يخوض تجربته النقابية الأُولى، يُحيل التراب ذهبًا، ويفلح فيما أخفق فيه الآخرون.
لم أذهب مع الذاهبين؛ غير أننى تابعت الأجواء من خلال الزملاء والصور. عرفت أن شارع عبد الخالق ثروت كان يغص بأهل المهنة؛ ففاضوا عن سعة المسرح، ودبّت فى المبنى العملاق حيوية لا يراها إلا كل سنتين.
المناسبة توزيع تأشيرات الحج على الفائزين، وبقدرٍ من المجاملة الإنسانية يصح القول إنها للاحتفال والوداع.
وبالطبيعة؛ فإنها سنوية مُتكرّرة، وما عهدنا عنها الاهتمام والإقبال، كما كان مساء السبت، ومن النقيب والمجلس قبل الأعضاء.
ثلاثة فقط غابوا من ثلاثة عشر، وتلك مُناسبة لا تُفوّت، وفيها وجاهة وانتشار غير مُكلِّفَين، لا سيما أن الانتخابات تقترب، والحملات توشك أن تدق الأبواب.
مشهد الزحام النقابى مُحبَّب للنفس، وصور الحفل جميلة ومُفرحة. وأيا كانت الأسباب؛ فالمُنظّم يستحق الإشادة، والمقصرون قبله عليهم لوم، والقصة دعوة إلى الاقتراب والتفكيك، للفهم والاعتبار وسد الثغرات.
وما يُؤسَف له؛ أن الأسابيع الماضية شهدت دعوات متوالية للجمعية العمومية، لبحث جُملة أمور اعتيادية عن الموازنة التقديرية الجديدة والحساب الختامى لسابقتها، وتفاصيل تخص لائحة القيد وميثاق الشرف وغيرهما.
تأجّل الموعد مرّة إثر أُخرى، ولم يكتمل النصاب فى النهاية، وحَدّه بعد أول أسبوعين رُبع عدد المُشتغلين المسددين للاشتراك، وقد لا يتجاوز الرقم 2500 أو أقل قليلا.
كنت شاهدا على تجربة محمد الشاذلى. خاض الانتخابات فى 2023 مُحقِّقًا رقمًا جيدا؛ لكنه وراء الستة الفائزين. وفى السباق الأخير اقتنص مقعدًا بين الثلاثة أعلى الأصوات.
لم تكن الأمور مثالية فى أول اجتماع للمجلس، وبدا أنّ فريقا يسعى للغلبة والاستئثار، ويقتص من أزماتٍ قديمة بأثر رجعى. ومن نتائج التوافقات الصعبة أن وُزّعت الغنائم بحسب التحالفات والأوزان ومطامع الضوء.
خرج أصغر الأعضاء سِنًّا بلجنتين على الهامش: «الشؤون العربية» كلافتة بلا مضمون، والحج والعمرة كلجنة موسمية أقرب لشركة سياحة. وما عُرِف لهما حضور بارز قَبلاً؛ باستثناء بضع ندوات للأولى.
قطع محمد شوطًا فى الطريقين، نظّم لقاءات بارزة، ودفعةً أو اثنتين من المُعتمرين، وصولاً لموسمه الأول فى الحج.
وأعرف أنه قدّم برامج أفضل فى السعر والمواصفات، ووفّر موارد للنقابة، ووجه الهدايا التى كانت تذهب فى مسارات شخصية لوجهةٍ عُمومية، وتفاصيل أُخرى لسنا فى وارد تعدادها.
مرّت سنة واحدة، ويصعب الحساب على رُبع المدة، كما أن اللجنتين ورئيسهما ليسوا محلَّ تركيزى هنا، بقدر الاهتمام بمفارقات الحضور والغياب، وردود الفعل، وسيكولوجية أبناء مهنةٍ عمادها التفاعل والإيجابية العضوية.
وكى لا أبدو كمن ينسب لصديقٍ قدرات استثنائية خارقة؛ فالحكاية كلها أنه نجح بجهدٍ واعٍ فى الحصول على أربع رحلات عُمرة مجّانية، تضاعفت لاحقا، وكان الإقبال الحاشد لأجل القُرعة، لا الحفل ولا الحفاوة بالحجاج.
ومعلوم أن البشر يدورون مع المنفعة، ولا عيب أو ملامة، كما لا يُقلل ذلك من قيمة كلِّ فرد فيهم.
إنما نتوقف أمام المفارقة الكاشفة؛ إذ تُرى الفائدة فى ربح مُحتمَل قد لا تزيد فرصته بالكاد على واحد أو اثنين فى الألف.. ولا تُرى فى عُمومية؛ ستُقر ميزانيات ولوائح وقرارات، تتقاطع مع مصالح المجموع مائة فى المائة!
المعنى الضمنى بالغ السلبية؛ وإن أنكرنا أو سعينا لتحسين الصورة واستخلاص دلالات مُغايرة، ومُضلّلة.
صاحب الصوت، يُعوّل على العُمرة البعيدة أكثر مِمّا يُعوّل على عضو المجلس القريب. ينتظر من المصادفة، أكثر ممّا تحمله المواعيد المُحدّدة.
واتّصالاً بجانب آخر من الفكرة؛ فقد شهد المكان نفسه فعّالية شبيهة قبل أيام. كانت لتكريم عدد من الزميلات، عن النوع والوظيفة.
وقولاً واحدًا؛ فإنهن جميعًا مُستحقات، ولا خلاف على الأمهات أو الصحفيات المثاليات اللواتى أُعلِنّ يومَها؛ غير أن المعايير لم تكن واضحة، والشكوك استبقت التبريكات. ثار لغط كثيف عن المُحدِّدات، وتجدّدت اتهامات الخصخصة وتجيير المزايا لحساب تيّار أو أيديولوجيا، ولست فى معرض هجوم أو دفاع، بقدر ما أنقل ما كان، وتفجّر فيه جدال على المنصات.
فى قُرعة العُمرة المجّانية؛ فاز ثلاثة زملاء من اليوم السابع، بنسبة تُقارب 50 % من الإجمالى، وما تجرّأ حاضر أو غائب على الطعن أو اتهام المُنظّمين.
والفكرة؛ أن العملية أُديرت من مُبتداها على مرأى ومسمع مُلّاكها الفِعليّين. طاولة تُسجّل الأسماء، وسَحب علنىّ بلا مُدارة أو إجراءات كهانيّة مُعقّمة.
تحتاج النقابة، وكل عمل عام، إلى مُحاكاة تلك الصيغة وتعميمها، وأن تُتّقى الشبهات بأفضل السُّبل وأقصرها، ومع العناية الواجبة باستمالة الناس ورضاهم معًا.
بمثل الحماسة التى يعمل بها محمد الشاذلى، يمكن أن تعتدل كثير من المفردات المائلة، وينضبط السيئ أو يتحسّن الجيد عمّا هو عليه.
وأتمنّى لو اعتمد المجلس منطق التدوير فى اللجان وهيئة مكتبه، لاختبار الأعضاء فى مواقع عِدّة، والاستفادة من أفضلهم فى أكثر من ساحة.
لمسةٌ شبيهة بما حدث فى ملف الحج، يمكن أن تدفع اللجنة الثقافية وأنشطتها للأمام، وتُعيد هيكلة الجائزة بعيدًا من منطق المحاصصة والترضيات. وهذا للتمثيل لا الحصر، ويجوز التعميم على الذوات والموضوعات.
لا تكتمل عموميات الصحفيين من أوّل مرّة؛ ولو كان السباق الانتخابى مُشتعلاً، والمرشحون من العيار الثقيل، والمنافسة على أشدّها.
مسألة تستحق الدراسة، ومُعالجة عِلّاتها بمزيد من الديمقراطية والشفافية، وإشراك الجمعية فى الصغير قبل الكبير، ولا مانع من استلهام حلول وقتيّة من «عمومية التأشيرات» وغيرها.
فى السياسة والتشريع ما يُعرَف بـ«التمييز الإيجابى». تُمنَح فئةٌ بعضَ المزايا لجَبر ضرر، أو لإعانتها على تجاوز الهشاشة؛ حتى يعتدل الميزان ويُستعاد الوضع الطبيعى. ولا يقدح ذلك فى العدالة والمساواة.
ونحن مهنة عقل وضمير، ونقابة رأى؛ إنما لا مانع من الاستمالة؛ من دون أن يمسّ ذلك المكان ومكانته، أو يطعن فى أهل البيت.
لماذا لا يُغرَى الأعضاء بالمزايا لحضور الجمعيات؛ كإجراء سحب على أجهزة ورحلات ترفيهية وتأشيرات عُمرة وسوها، ويُمكن تدبيرها من مخصصات النشاط أو عبر رُعاة، ولحين أن تتجذّر عادة المشاركة والانشغال بالشأن النقابى على وقته بلا تسويف.
أشدُّ على يد الشاذلى، والذين يُشبهونه فى العمل العام المُجرّد النزيه؛ للجميع دون تمييز، وبلا هوى أو شِلّة أو لون أيديولوجى.