إسراء بدر

الإخوان.. أبناء الشيطان

الإثنين، 11 مايو 2026 12:01 م


قد يظن البعض أن عنوان هذا المقال قاسٍ أو صادم، لكن الحقيقة أن أي محاولة لوصف جماعة الإخوان الإرهابية ستظل أقل بكثير من حجم ما ارتبط باسمها عبر عقود طويلة من الدم، والخداع، والتنظيمات السرية، والمتاجرة بالدين، ومحاولات اختطاف الدول من خلف ستار الدعوة والشعارات البراقة.

فكيف يمكن وصف جماعة رفعت المصاحف في العلن بينما كانت تبني في الخفاء تنظيمات مسلحة؟ وكيف يمكن الحديث عن الإصلاح أمام تاريخ طويل من الاغتيالات، والتحريض، ومحاولات إشعال الفوضى داخل المجتمعات؟ وكيف يمكن لجماعة ادعت احتكار الدين والأخلاق أن تتحول مع الوقت إلى أحد أكثر التنظيمات إثارة للريبة والجدل في المنطقة والعالم؟

منذ تأسيس الجماعة على يد حسن البنا عام 1928، لم يكن الأمر مجرد تأسيس لحركة دعوية كما حاولت الجماعة دائمًا أن تروج، بل كان بناءً تدريجيًا لتنظيم مغلق يقوم على السمع والطاعة، وصناعة أتباع لا يرون الحقيقة إلا من خلال عيون القيادة، ولا يضعون أوطانهم فوق التنظيم مهما تحدثوا عن الوطنية والانتماء.

ومنذ اللحظة الأولى، أحاط الغموض ببدايات الجماعة، وبمصادر تمويلها، وبشبكات العلاقات التي تحركت داخلها، وعلى مدار عقود، ظلت تلاحقها روايات وشهادات تتحدث عن ارتباطات فكرية وتنظيمية غامضة، حتى إن اسم الماسونية ظل حاضرًا في كثير من الكتابات التي تناولت البدايات الأولى للتنظيم، بما عكس حجم الشكوك التي أحاطت بالجماعة منذ نشأتها، وجعل كثيرين يرون أنها لم تتحرك يومًا كحركة دعوية بريئة، بل كتنظيم سياسي يعمل في الظل ويتقن ارتداء الأقنعة.

لكن أخطر ما فعلته الجماعة لم يكن فقط بناء تنظيم مغلق، بل قدرتها المرعبة على استغلال الدين وتحويله إلى أداة سياسية، فقد نجحت طويلًا في خداع البسطاء عبر خطاب عاطفي يخلط بين الجماعة والإسلام، حتى أصبح انتقاد التنظيم عند أتباعه وكأنه عداء للدين نفسه، بينما الحقيقة أن الدين كان بريئًا من كثير مما ارتكبته الجماعة باسم الدعوة والإصلاح.

وراء الخطب الرنانة والشعارات الدينية، كانت الجماعة تبني تنظيمًا سريًا شديد الخطورة، بلغ ذروته مع تأسيس التنظيم الخاص، الجناح المسلح الذي نقل الجماعة من مجرد تنظيم سياسي إلى كيان يتعامل مع العنف باعتباره وسيلة مشروعة لتحقيق أهدافه، وفي تلك المرحلة، دخلت مصر واحدة من أخطر فترات العنف السياسي، بعدما تم اغتيال رئيس الوزراء محمود فهمي النقراشي عقب قراره بحل الجماعة، في جريمة كشفت الوجه الحقيقي لتنظيم لم يتردد في تحويل الخلاف السياسي إلى دم وقتل وإرهاب.

ومنذ ذلك التاريخ، لم تتوقف الجماعة عن إنتاج الأزمات، ففي كل مرحلة كانت ترفع شعار المظلومية في العلن، بينما تتحرك في الخفاء بمنطق التنظيم الذي لا يؤمن إلا بنفسه، ولا يرى الدولة إلا عقبة يجب السيطرة عليها أو إسقاطها إذا عجز عن اختراقها.

والأخطر أن الجماعة لم تكتفِ بالصدام السياسي، بل ساهمت في صناعة بيئة فكرية خرجت منها أكثر التنظيمات تطرفًا وعنفًا في المنطقة، فالكثير من الأفكار التي تبنتها تنظيمات مثل تنظيم القاعدة وتنظيم داعش لم تظهر من فراغ، بل خرجت من رحم خطاب طويل قائم على تقسيم المجتمع، وتصوير الصراع السياسي باعتباره معركة دينية بين مؤمنين وأعداء للدين.

وحين وصلت الجماعة إلى الحكم بعد 2011، سقطت الأقنعة سريعًا، فبدلًا من بناء دولة لكل المصريين، بدأ الحديث عن أخونة الدولة، والسيطرة على المؤسسات، وإقصاء الخصوم، وإعادة تشكيل مفاصل السلطة لصالح التنظيم، وتحولت الدولة في نظر الجماعة إلى غنيمة سياسية، لا وطن يتسع للجميع.

ومع سقوط حكم الجماعة، لم تتوقف محاولاتها لإشعال الفوضى، بل انتقلت إلى مرحلة جديدة أكثر خبثًا، فلم تعد معارك الجماعة تدار فقط عبر التنظيمات التقليدية أو المنصات الإعلامية التابعة لها، بل انتقلت بقوة إلى الفضاء الإلكتروني، حيث تحولت اللجان الإلكترونية إلى أحد أخطر أسلحتها في نشر الشائعات، وتزييف الوعي، وبث حملات التحريض بشكل منظم وممنهج.

والمثير للانتباه أن كثيرًا من الخطابات التي تروجها هذه اللجان باتت تتقاطع بصورة لافتة مع المحتوى الصادر عن حسابات إسرائيلية ناطقة بالعربية، سواء في استهداف مؤسسات الدولة المصرية، أو نشر الإحباط، أو محاولة ضرب الثقة بين الشعوب وجيوشها ومؤسساتها الوطنية. ولم يكن ظهور شخصيات مثل إيدي كوهين في قلب كثير من حملات الجدل والتحريض على مواقع التواصل بعيدًا عن هذا المشهد، خاصة مع حالة الترويج المتبادل والتفاعل المستمر بين بعض المنصات الإخوانية والخطاب الإسرائيلي الناطق بالعربية، وكأن الطرفين يلتقيان عند هدف واحد وهو إنهاك الدولة الوطنية، وإغراق المجتمعات في الفوضى والتشكيك المستمر.

وفي أحيان كثيرة، بدا وكأن الطرفين يتحركان على خط واحد، يخدم الهدف نفسه وهو إنهاك الدول الوطنية، وإرباك الرأي العام، وصناعة حالة مستمرة من الفوضى والتشكيك، فبينما تستخدم الجماعة خطاب المظلومية والتحريض السياسي، تتحرك المنصات الإسرائيلية بخطاب يستهدف تفكيك الوعي العربي وضرب الاستقرار الداخلي، لتلتقي الرسائل في النهاية عند نقطة واحدة وهي إسقاط الثقة في الدولة الوطنية وإشعال الفوضى داخل المجتمعات العربية.

ومع مرور الوقت، بدأ العالم نفسه يكتشف الوجه الحقيقي للجماعة، بعدما أدركت دول عديدة أن التنظيم الذي يرفع شعارات الدعوة والإصلاح يملك تاريخًا طويلًا من التنظيمات السرية، والعنف، والتحريض، ومحاولات اختراق المجتمعات من الداخل تحت غطاء العمل السياسي أو الحقوقي. ولم يعد التحذير من خطر الجماعة مقتصرًا على الدولة المصرية وحدها، بل امتد إلى دوائر سياسية وأمنية غربية بدأت تتعامل مع الملف بقدر أكبر من الحذر.

وخلال السنوات الأخيرة، تصاعدت المواقف الدولية التي تعكس تغير النظرة إلى الجماعة، بعدما تحولت ملفات الإسلام السياسي والتطرف إلى قضية أمن قومي في عدد من الدول الأوروبية والغربية. وكان من أبرز هذه المواقف ما صدر عن مجلس الشيوخ الفرنسي من تحذيرات ومناقشات موسعة حول خطر جماعات الإسلام السياسي ومحاولات اختراق المجتمع الفرنسي تحت شعارات دينية وحقوقية، إلى جانب التقارير والدراسات الغربية المتزايدة التي بدأت تربط بين خطاب جماعة الإخوان وبين البيئة الفكرية التي ساهمت في إنتاج التطرف والعنف.

كما أعادت الاستراتيجية الأمريكية الجديدة لمكافحة الإرهاب فتح الملف بشكل أكثر وضوحًا، بعدما جرى الربط بين جماعات الإسلام السياسي والتنظيمات المتطرفة التي خرجت لاحقًا إلى ساحة العنف المسلح، في إشارة اعتبرها كثيرون تحولًا لافتًا في طريقة قراءة واشنطن لخطر هذه التنظيمات، بعدما ظلت لسنوات تتعامل معها باعتبارها قوى سياسية يمكن احتواؤها أو توظيفها.

وشهدت دول أخرى إجراءات وقرارات أكثر تشددًا تجاه الجماعة وفروعها، بعدما ثبت أن التنظيم لا يتحرك باعتباره كيانًا دعويًا فقط، بل شبكة عابرة للحدود تمتلك أدوات سياسية وإعلامية وتنظيمية معقدة. وهنا بدا واضحًا أن الدولة المصرية كانت من أوائل الدول التي قرأت مبكرًا طبيعة هذا التنظيم، وحذرت من خطورته على الدولة الوطنية واستقرار المجتمعات، في وقت كانت فيه بعض القوى الغربية لا تزال تتعامل معه باعتباره مجرد تيار سياسي يمكن دمجه أو احتواؤه.

فمصر دفعت ثمنًا باهظًا في مواجهة الجماعة، وقدمت نموذجًا واضحًا لكيف يمكن لتنظيم يرفع رايات الدين أن يتحول إلى مصدر تهديد للدولة الوطنية واستقرار المجتمعات، بينما كانت الجماعة في المقابل تواصل تصدير خطاب المظلومية، رغم أن تاريخها ظل مليئًا بالتناقضات، والتنظيمات السرية، والتحالفات المشبوهة، والصدامات التي دفعت الشعوب ثمنها.

ولهذا، لم يعد كثيرون يرون الإخوان مجرد جماعة سياسية، بل تنظيمًا عاش طويلًا على المتاجرة بالدين، وإنتاج الأزمات، وإعادة تدوير الفوضى، حتى تحولت شعاراته مع الوقت إلى ستار سقط أمام تاريخ ثقيل من الدم والانقسام والصدام مع الدولة والمجتمع، بينما كشفت السنوات الأخيرة أن أي صوت أو منصة أو خطاب يلتقي مع مشروع إسقاط الدولة الوطنية، حتى لو اختلفت الشعارات والرايات، فإنه يصب في النهاية في المستنقع نفسه.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة