بين مآذن تشق عنان السماء وسكينة تلمس شغاف القلوب، بدت ساحات المسجد النبوي الشريف كلوحة إيمانية مهيبة، حيث تجمعت حشود ضيوف الرحمن في آخر محطاتهم الإيمانية بـ "طيبة الطيبة"، قبل التوجه إلى مكة المكرمة لبدء مناسك الحج. الأجواء هنا لا تصفها الكلمات؛ رائحة المسك تختلط بأنفاس الذاكرين، وهدير الدعوات يملأ الأفق في انتظار "يوم التروية".
موسم استثنائي
يأتي موسم الحج هذا العام تتويجاً لجهود جبارة، حيث استقبلت المملكة العربية السعودية ملايين الحجاج من كل فج عميق، موفرةً منظومة خدمات ذكية وغير مسبوقة.
ومن داخل أروقة المسجد النبوي، ظهر الحجاج بملابس الإحرام البيضاء التي توحد القلوب قبل الأجساد، والجميع يرفع شعاراً واحداً: "لبيك اللهم لبيك".
السكينة قبل العاصفة الإيمانية
في ساحات المسجد النبوي، ترى وجوهاً أتت من قارات الأرض السبع، تجلس في حلقات ذكر وتضرع. يصف أحد الحجاج المصريين المشهد قائلاً: "هنا وجدنا الراحة النفسية قبل مشقة المناسك، جئنا لنسلم على الحبيب المصطفى ونستمد القوة لرحلة الصعود إلى عرفات". السكينة التي تخيم على المكان تعكس التنظيم الدقيق وسلاسة التفويج التي جعلت من حركة الحشود سيمفونية منظمة رغم الأعداد الغفيرة.
على أعتاب مكة
مع غروب شمس اليوم، تبدأ قوافل الحجيج في مغادرة المدينة المنورة عبر "ميقات ذي الحليفة"، متوجهين نحو بيت الله الحرام. تتسارع النبضات مع اقتراب اللحظة الحاسمة؛ فالطواف بالبيت العتيق والسعي بين الصفا والمروة باتا على بعد ساعات قليلة، لتبدأ أعظم رحلة في حياة كل مسلم.
إنها لحظات الوداع لمدينة الرسول، والترقب للقاء مكة، حيث تتوحد المشاعر وتذوب الفوارق، ويبقى الرجاء الوحيد "حج مبرور وذنب مغفور".