حددت وزارة الأوقاف موضوع خطبة الجمعة القادمة بعنوان "عشرُ ذي الحجة.. فضائلُ وبشائر"، مشيرة إلى أن الهدف: التوعية بفضائل أيام العشر الأول من ذي الحجة، كما حددت موضوع الخطبة الثانية: العناية بالنظافة في كل الشئون العامة والخاصة
العشر الأوائل من ذي الحجة قد أقبلت، تحمل معها أنفاس الطاعة، ونفحات المغفرة، وأبوابًا من القرب لا تُفتح في غيرها، أيامٌ أقسم الله بها في كتابه الكريم، ورفع شأنها فوق سائر الأيام، ونوَّهَت بها السنة النبوية المشرفة، فما أحوجنا فيها إلى قلوبٍ تتوب، وألسنةٍ تذكر، ونفوسٍ تُقبل على الله بصدقٍ وإخلاص، إنها أيامٌ تُغسل فيها نفوسُنا من الذنوب، وتُرفع لنا فيها الدرجات، وتُجبر فيها قلوبنا المنكسرة، فطوبى لمن عرف قدرها، وأحسن استقبالها، وعمرها بالطاعة والإنابة والعمل الصالح، وإليك طرفًا من بيان القرآن والسنة عنها:
السعيد من اغتنم مواسم الشهور
لقد اختصَّ اللهُ أمةَ سيدنا محمدٍ صلى الله عليه وسلم بفيضٍ من المنح الربانية، وأغدق عليها من مواسم الرحمة والنفحات الإيمانية ما جعل أيامها ولياليها ميادينَ للتسابق إلى رضوانه؛ مواسمَ تُضاعَف فيها الحسنات، وتُمحى بها السيئات، وتتنزل فيها الرحمات والبركات، حتى غدت محطاتٍ يتزود منها المؤمنون، ويتنافس فيها السائرون إلى الله، طمعًا في مغفرته، ورجاءً في واسع فضله وإحسانه، فعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «افْعَلُوا الْخَيْرَ دَهْرَكُمْ، وَتَعَرَّضُوا لِنَفَحَاتِ رَحْمَةِ اللَّهِ، فَإِنَّ لِلَّهِ نَفَحَاتٍ مَنْ رَحِمَتِهِ، يُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَسَلُوا اللَّهَ أَنْ يَسْتُرَ عَوْرَاتِكُمْ، وَأَنْ يُؤَمِّنَ رَوْعَاتِكُمْ» [رواه الطبراني].
عَنْ كَعْبٍ، قَالَ: "اخْتَارَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ الْبِلَادَ، فَأَحَبُّ الْبُلْدَانِ إِلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ الْبَلَدَ الْحَرَامَ، وَاخْتَارَ اللهُ الزَّمَانَ فَأَحَبُّ الزَّمَانِ إِلَى اللهِ الْأَشْهُرَ الْحُرُمِ، وَأَحَبُّ الْأَشْهُرِ إِلَى اللهِ ذُو الْحِجَّةِ، وَأَحَبُّ ذِي الْحِجَّةِ إِلَى اللهِ تَعَالَى الْعَشْرِ الْأُوَلِ مِنْها" [حلية الأولياء].
قال ابن رجب: "فالسَّعيدُ مَنِ اغْتَنَمَ مواسمَ الشُّهورِ والأيَّامِ والسَّاعات، وتَقَرَّبَ فيها إلى مولاهُ بما فيها مِن وظائفِ الطَّاعات، فعَسى أنْ تُصيبَهُ نفحةٌ مِن تلكَ النَّفحات، فيَسْعَدُ بها سعادةً يَأْمَنُ بعدَها مِن النَّارِ وما فيها مِن اللفَحات" [لطائف المعارف].
فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «أَعْمَارُ أُمَّتِي مَا بَيْنَ السِّتِّينَ، إِلَى السَّبْعِينَ، وَأَقَلُّهُمْ مَنْ يَجُوزُ ذَلِكَ» [رواه الترمذي].
عشرُ ذي الحجة.. حضورٌ متكررٌ في القرآن العظيم
ولعِظَمِ شأنِ العشرِ الأُوَلِ من ذي الحجة، نوَّه القرآن الكريم بفضلها في مواضع متعددة، فجاء ذكرها مشرقًا بين آيات الذكر والحج والمناجاة؛ إشعارًا بعلوِّ منزلتها، ورفعة قدرها عند الله تعالى، فقال سبحانه: ﴿وَاذْكُرُواْ اللّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٠٣]، وهي - كما قال أهل التفسير- عشرُ ذي الحجة، تلك الأيام التي تمتلئ فيها الأرض بالتكبير والتهليل، وتفيض فيها القلوب بمعاني العبودية والخضوع.
وقال تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة:]؛ فكانت هذه العشر خاتمةَ أشهر الحج، وذروةَ أيامه المباركة، فيها تتعلق الأرواح ببيت الله الحرام، وتلتقي جموع المؤمنين على صعيدٍ واحد، في مشهدٍ تهتز له القلوب خشوعًا وإجلالًا.
ثم يزيد القرآن هذه الأيام شرفًا حين يربطها بميقات نبي الله موسى عليه السلام، قال تعالى: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ [الأعراف: ١٤٢]، وقد قال مجاهد وابن جريج ومسروق: إن هذه العشر هي عشرُ ذي الحجة [تفسير الطبري]؛ فكأنها أيامٌ اصطفاها الله للمناجاة والقرب، ورفَع فيها الأرواح إلى مقامات الصفاء والإيمان.
فأيُّ أيامٍ هذه التي اجتمع لها شرف الذكر، وفضل الحج، وكرامة الميقات، حتى غدت موسمًا تتنزل فيه الرحمات، وتُفتح فيه أبواب الطاعات، ويقف فيه المؤمن بين الخوف والرجاء، يرجو رحمة مولاه، ويؤمل عفوه ورضاه؟