كان ذلك المساءُ هو المساء الأخير الذي رأيته فيه. قضينا سهرةً ممتعةً في ظلال حكاياته؛ كان حديثًا عن الأدب والعلم، وعن الناس والحياة، وعن ذكرياتٍ يرويها كأنها تحدث أمامنا في تلك اللحظة. ألقى علينا قصيدةً في تلك الليلة، كان قد كتبها أيام سكنه المدينة، أيام الجامعة. قبّلتُ يده من فرط الإعجاب بها؛ فإن لإلقائه ونبرة صوته حلاوةً وطلاوةً تشقّ إلى منافذ السمع طريقًا إلى القلب. كان يرتشف الشاي في لذة، ودخان سجائره يتصاعد في وقار، وله ضحكةٌ أيقونية أخاذة؛ في مجلسه يرتفع غبار الأشياء وضجيحها, ليبقى السحر والسكينة, وبعد أن هبطت إلينا الساعات الأخيرة من الليل، وحين انتهينا، أمسك بعصاه وانفضّ المجلس.
كان الشتاء يلفّ المدينة، والهواء البارد ينساب في الطرقات الخالية. لم يكن في تلك الليلة سوانا؛ نحن والليل نمشي معًا في صمتٍ طويل. كنت أتمنى لو أن المسافة تطول إلى ما لا نهاية، لكن الأستاذ كان قد أرهقه المسير. كانت عصاه في يده اليمنى يتكئ عليها، أما يده اليسرى فكانت معلّقةً بذراعي.
طلب مني أن أرافقه إلى البيت، وكنت أتمناه في داخلي، كأنه قرأ ما في نفسي فأراد أن يحقق لي أمنيتي الصغيرة. هل كنت أعلم أنه اللقاء الأخير؟ وهل كان يعلم هو؟ لم يكن أحدنا يتخيّل ذلك.
ونحن في الطريق، أخذ يحدّثني حديث مودّعٍ دون أن أدرك. قال لي إنه كائنٌ ليليّ يعشق الليل والسكون، وإنني أشبهه في ذلك؛ فكلانا يحب العتمة الهادئة التي تُصغي فيها الأرواح إلى نفسها. وقال إنه يحب المغامرات، وإن الإنسان لا يشعر بقيمة الحياة إلا حين تتلاطم أمواجها من حوله، وإن الهدوء الذي يأتي بعد الصراع له لذةٌ لا يعرفها إلا من تعب, ثم قال لي إنه سيدعوني يومًا إلى مائدةٍ في مكانٍ يحبه ويعتاد الذهاب إلي.
كانت خطواتنا تمضي ببطء، تئنّ نحو المجهول الذي ينتظرنا، بينما الأقدار تسخر في صمتٍ من أحاديثنا الصغيرة وأمنياتنا المؤجلة, وحين وصلنا إلى أول الشارع، توقفتُ، ومضى هو بخطواته الأخيرة نحو البيت. وقفتُ أتأمله حتى بلغ الباب. التفت إليّ، وابتسم، ثم طرق الباب.
انفتح الباب
وغاب الأستاذ إلى الأبد....