حسين عبدالبصير

مسجد الرفاعى.. عمارة السلطة والذاكرة فى قلب القاهرة

الجمعة، 01 مايو 2026 02:41 م


يُعد مسجد الرفاعي واحدًا من أعظم الشواهد المعمارية والدينية في القاهرة، ليس فقط لما يتمتع به من فخامة وزخرفة، بل لما يحمله من دلالات عميقة تتجاوز حدود العمارة إلى فضاءات التاريخ والسياسة والذاكرة. يقف المسجد في مواجهة مسجد السلطان حسن، وكأنهما يدخلان في حوار صامت بين زمنين؛ أحدهما يمثل ذروة العمارة المملوكية في العصور الوسطى، والآخر يعكس طموحات مصر الحديثة في القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين. هذا التقابل ليس مجرد صدفة عمرانية، بل هو تعبير واعٍ عن رغبة في استحضار الماضي المجيد وإعادة صياغته في سياق جديد.

تم بناء مسجد الرفاعي في سياق تاريخي شديد التعقيد، ارتبط بمحاولات أسرة محمد علي تثبيت شرعيتها عبر أدوات متعددة، كان من أبرزها العمارة الدينية. فقد أمرت ببنائه خوشيار قادين، والدة الخديوي إسماعيل، عام 1869، وهو العام ذاته الذي شهد افتتاح قناة السويس، بما يحمله ذلك من دلالات على انفتاح مصر على العالم وسعيها للحداثة. لم يكن اختيار موقع المسجد عشوائيًا، بل جاء في قلب منطقة تاريخية تتجاور فيها رموز السلطة الدينية والسياسية، في محيط ميدان صلاح الدين وبجوار قلعة صلاح الدين الأيوبي، بما يعكس وعيًا عميقًا بالجغرافيا الرمزية للقاهرة.

غير أن المشروع لم يسر في خط مستقيم؛ فقد توقف العمل فيه عام 1880 نتيجة ظروف مالية وسياسية معقدة، وتوفيت خوشيار قادين قبل أن ترى حلمها مكتملًا. ظل المسجد مشروعًا معلقًا لأكثر من ربع قرن، حتى جاء عهد عباس حلمي الثاني، الذي أعاد إحياء المشروع في مطلع القرن العشرين، في محاولة لاستكمال ما بدأه أسلافه، وربما أيضًا لتأكيد استمرارية السلطة في مواجهة التحديات الداخلية والخارجية. اكتمل البناء عام 1911، وافتُتح للصلاة عام 1912، ليصبح شاهدًا على مرحلة انتقالية في تاريخ مصر، كانت فيها البلاد تتأرجح بين الاستقلال والهيمنة الأجنبية.

من الناحية المعمارية، يُمثل المسجد نموذجًا فريدًا لاستلهام التراث المملوكي في إطار حديث. ينتمي إلى طراز العمارة الإسلامية، لكنه يستدعي بوضوح عناصر العمارة المملوكية في الكتلة، والواجهات، والزخارف، في محاكاة واعية لعظمة مسجد السلطان حسن. تبلغ مساحة المسجد نحو 6500 متر مربع، ويضم صحنًا واسعًا تحيط به أروقة شاهقة، إلى جانب مئذنتين وقبتين تهيمنان على الأفق العمراني للمنطقة. ويُلاحظ في تفاصيله استخدام الرخام الفاخر متعدد الألوان، والزخارف النباتية والهندسية الدقيقة، إضافة إلى الكتابات القرآنية التي تضفي على المكان روحانية خاصة.

غير أن القيمة الحقيقية للمسجد لا تكمن في جماله المعماري فحسب، بل في وظيفته الرمزية كمقبرة ملكية. فقد دُفن فيه عدد من أبرز حكام مصر من الأسرة العلوية، من بينهم الخديوي إسماعيل، والملك فؤاد الأول، والملك فاروق الأول، وهو ما يمنحه طابعًا فريدًا يجمع بين القداسة الدينية والهيبة السياسية. كما يضم المسجد ضريح الشيخ "علي أبو شباك الرفاعي"، الذي ارتبط اسمه بالموقع منذ أن كان زاوية صوفية صغيرة، قبل أن يتحول إلى هذا الصرح العظيم، لتتداخل بذلك طبقات التاريخ الشعبي والرسمي في مكان واحد.

ويمتد المعنى الرمزي للمسجد إلى موقعه الجغرافي، حيث يقع في قلب نسيج عمراني يضم عددًا من أهم معالم القاهرة الإسلامية، مما يجعله جزءًا من منظومة متكاملة تعكس تطور المدينة عبر العصور. إن قربه من القلعة ومن المساجد الكبرى المجاورة يضعه في سياق تاريخي غني، حيث تتقاطع مسارات السلطة والدين والمجتمع.

إن مسجد الرفاعي، بهذا المعنى، ليس مجرد مبنى أثري، بل هو نص مفتوح يروي قصة مصر الحديثة، بكل ما فيها من طموح وتناقض. إنه شاهد على محاولة الإنسان المصري أن يصوغ لنفسه مكانًا في التاريخ، وأن يربط حاضره بماضيه، وأن يخلّد ذكراه عبر الحجر والنقش والزخرفة. وفي مدينة مثل القاهرة، التي تتراكم فيها الطبقات الحضارية عبر آلاف السنين، يظل مسجد الرفاعي علامة بارزة على لحظة تاريخية سعت فيها مصر إلى إعادة تعريف ذاتها، مستندة إلى تراثها العريق، ومتطلعة في الوقت ذاته إلى مستقبل مختلف.

وهكذا، فإن زيارة هذا المسجد لا تقتصر على التأمل في جماله، بل تمتد لتصبح تجربة فكرية وتاريخية عميقة، تدعونا إلى إعادة النظر في علاقة العمارة بالسلطة، والدين بالسياسة، والذاكرة بالمكان، في واحدة من أكثر مدن العالم ثراءً وتعقيدًا.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة