في الأول من مايو من كل عام، يتجدد الاحتفاء بعيد العمال حيث يعاد فيها ترتيب معنى العمل، وقيمته في حياة الفرد، ودوره في صيانة المجتمع وبناء الدولة، فهو عقد أخلاقي مستمر بين الجهد والكرامة، بين السواعد التي تنتج والعقول التي تدبر، وبين وطن يقوم بتوازن الاثنين وفي عالم يتسارع إيقاعه وتتعاظم تحدياته، تبدو هذه المناسبة فرصةً لتجديد العهد مع فكرة مفادها أن لا نهضة بلا عمل، ولا عمل بلا إنسان تصان كرامته وتحترم حقوقه.
حين ننظر إلى خريطة التحولات الجارية في مصر والعالم، ندرك أن العمل أصبح منظومة متكاملة تتداخل فيها التكنولوجيا مع المهارة، ويعاد فيها تعريف الإنتاجية بمعايير جديدة، فمشروعات البنية التحتية الكبرى، والتوسع العمراني، وتطوير شبكات النقل والطاقة، هي تجليات حية لجهد ملايين العمال الذين ينسجون يوميًا خيوط الحاضر نحو المستقبل، هؤلاء الذين يقفون في مواقع البناء، أو يديرون خطوط الإنتاج، أو يبتكرون حلولًا رقمية في شركات ناشئة، يشتركون جميعًا في صناعة صورة الوطن وهو يتقدم، خطوةً بعد خطوة.
ويكتمل هذا التقدم بمدى انعكاسه على حياة العامل نفسه، فالمعيار الحقيقي لأي تنمية يكمن في قدرتها على تحسين جودة الحياة، وتوفير بيئة عمل آمنة وعادلة، وإتاحة فرص التدريب والترقي، ومن ثم تتعاظم أهمية الاستثمار في رأس المال البشري، فهو المحرك الأكثر استدامة لأي نهضة، فالعامل المدرب، الواعي بحقوقه وواجباته، القادر على مواكبة التحولات الرقمية، هو حجر الزاوية في اقتصاد حديث يسعى إلى المنافسة والابتكار، ولقد فرضت السنوات الأخيرة، بما حملته من أزمات عالمية متلاحقة، من جائحة صحية إلى اضطرابات اقتصادية، إعادة التفكير في مفهوم الأمان الوظيفي، حيث أصبح الاستقرار مرهونًا بقدرة الفرد على التكيف والتعلم المستمر، ومن ثم يتضح دور الدولة والمؤسسات التعليمية والتدريبية في بناء منظومة مرنة تعيد تأهيل العمال، وتمنحهم الأدوات اللازمة للانتقال بين مجالات العمل المختلفة دون أن يفقدوا استقرارهم، وعليه لابد من تمكين العامل في عصر التحول الرقمي من المعرفة، ومن الوصول إلى التكنولوجيا، ومن امتلاك مهارات المستقبل.
وتعد العدالة الاجتماعية الإطار الذي يمنح العمل معناه الإنساني، فالأجر العادل، والتأمين الصحي، والحماية من المخاطر، حقوق تصان، وعندما يشعر العامل بأن جهده مقدر، وأن القانون يحميه، وأن المجتمع يعترف بدوره، يتحول العمل من عبء إلى قيمة، وهنا تتقاطع السياسات العامة مع الوعي المجتمعي، في بناء ثقافة تقدر العمل بكل أشكاله، وتزيل الفوارق المصطنعة بين المهن، وتحتفي بالإتقان معيارًا، ولا يمكن فصل الحديث عن العمل اليوم عن الثورة الرقمية التي تعيد تشكيل سوق العمل عالميًا، فالذكاء الاصطناعي والأتمتة، والعمل عن بعد، كلها عوامل تفرض واقعًا جديدًا يفتح فرصًا ويخلق تحديات، منها تراجع بعض الوظائف التقليدية، ونشوء مجالات جديدة بوتيرة متسارعة، تتطلب مهارات تحليلية وإبداعية وتكنولوجية، ومن ثم يصبح التعليم المستمر ضرورة ويصبح العامل الذي يجدد أدواته المعرفية باستمرار أكثر قدرة على البقاء والمنافسة، وأكثر إسهامًا في دفع الاقتصاد نحو آفاق أوسع.
ومع اتساع هذا الأفق تتضح أهمية دمج فئات طالما ظلت على هامش سوق العمل، وفي مقدمتها المرأة والشباب، فتمكين المرأة اقتصاديًا قوة دافعة حقيقية للنمو، تضاعف من طاقة المجتمع الإنتاجية، وتعيد توزيع الفرص بشكل أكثر عدلًا، وكذلك الشباب، الذين يشكلون الكتلة الأكبر في مجتمعاتنا، يحتاجون إلى مسارات واضحة للانتقال من التعليم إلى العمل، وإلى دعم حقيقي لريادة الأعمال، بما يحوّل أفكارهم إلى مشروعات قادرة على خلق فرص جديدة، بدلًا من انتظار وظائف تقليدية قد لا تكفي لاستيعاب طموحاتهم.
إن مواكبة الأحداث هي قراءة اللحظة في ضوء مسار طويل، فالعالم اليوم يتجه نحو اقتصاد أكثر خضرة واستدامة، ما يفرض على أسواق العمل التحول نحو وظائف صديقة للبيئة، وتبني ممارسات إنتاجية تراعي الموارد الطبيعية، وهذا التحول يفتح بدوره مجالات جديدة للعمل، من الطاقة المتجددة إلى إدارة المخلفات، ويستدعي في الوقت نفسه إعادة تأهيل القوى العاملة لتواكب هذه الاتجاهات، وهكذا، يتسع مفهوم العمل ليشمل مسؤولية مزدوجة الإنتاج من جهة، وحماية البيئة من جهة أخرى.
ويبقى الإنسان هو الغاية والوسيلة في خضم كل هذه التحولات، فكل سياسة لا تنتهي إلى تحسين حياة العامل، تظل ناقصة مهما بلغت من التعقيد أو الطموح، وكل إنجاز لا ينعكس على كرامة الإنسان، يظل بلا روح، ومن ثم يصبح الاحتفاء بعيد العمال دعوة مفتوحة لمراجعة السياسات، وتعزيز الشراكات بين الدولة والقطاع الخاص والمجتمع المدني، وبناء جسور الثقة التي تضمن استدامة التقدم، وفي بلدنا الحبيب تتقاطع التحديات مع الفرص، يبدو الرهان على الإنسان العامل هو الرهان الأكثر واقعية، فالتاريخ يثبت أن الأمم تبنى بسواعد أبنائها وعقولهم، وكلما استثمرت الدولة في تعليمهم وتدريبهم، وحمت حقوقهم، وفتحت أمامهم آفاق الابتكار، اقتربت أكثر من تحقيق تنمية حقيقية لا تترك أحدًا خلفها.
ولا يكفي أن نقول كل عام وأنتم بخير إنما ينبغي أن تتحول إلى التزام عملي يترجم في السياسات والبرامج والمبادرات، فالعامل الذي يستيقظ كل صباح ليسهم في بناء وطنه، يستحق أكثر من التهنئة؛ يستحق بيئةً تنصفه، وفرصة تطوره، ومجتمعًا يعترف بفضله، وعندما يتحقق ذلك، يصبح عيد العمال مناسبة سنوية نقيس بها مدى تقدمنا نحو وطن تصان فيه الكرامة، ويحتفى فيه بالعمل بوصفه الطريق الأصدق إلى النهضة، فهي سواعد تبني الوطن، نعم لكنها تحتاج دائمًا إلى رؤية توجهها، وعدالة تنصفها، ومعرفة تطورها، وبين هذه الثلاثية، يتشكل المستقبل، ويكتب تاريخ الأوطان، كل عام وأنتم بخير، وكل عام والعمل قيمةٌ تُعلي الإنسان، ووطن ينهض بسواعد أبنائه، ويمضي بثقة نحو غد أكثر إشراقًا.