الدكتور أحمد البرعى فى حوار لـاليوم السابع: العمل النقابى فى مصر بدأ يزدهر بالتوازى مع الاقتصاد الحر.. إحياء الجامعة العمالية ضرورة لنجاح الخطط الاقتصادية.. والحل الجذرى للعمالة غير المنتظمة يبدأ من النقابات

الجمعة، 01 مايو 2026 12:00 م
الدكتور أحمد البرعى فى حوار لـاليوم السابع: العمل النقابى فى مصر بدأ يزدهر بالتوازى مع الاقتصاد الحر.. إحياء الجامعة العمالية ضرورة لنجاح الخطط الاقتصادية.. والحل الجذرى للعمالة غير المنتظمة يبدأ من النقابات الدكتور أحمد البرعى يتحدث لـ«اليوم السابع»

حوار - آية دعبس تصوير - محمد فوزى

وزير القوى العاملة والهجرة الأسبق: نعانى من تعليم نمطى وفائض فى تخصصات لا يحتاجها سوق العمل..  ولا عذر للقطاع الخاص فى التهرب من الحد الأدنى للأجور
 

أكد الدكتور أحمد البرعى، وزير القوى العاملة والهجرة ووزير التأمينات والشؤون الاجتماعية الأسبق، أستاذ القانون والخبير الدولى، أن التشريعات الاجتماعية فى مصر تواجه معضلة حقيقية نتيجة تعاقب مراحل اقتصادية وسياسية متناقضة خلال نصف قرن.

وأوضح «البرعى» أن فلسفة قوانين العمل يجب أن ترتكز على «الأمان الوظيفى» و«الأجر العادل»، بعيدا عن القرارات التى تبنى على أبعاد اجتماعية فقط دون مراعاة القواعد الاقتصادية والربحية

وفى حوار خاص لـ«اليوم السابع»، استعرض البرعى أزمات الحد الأدنى للأجور، وأموال التأمينات، ومعضلة العمالة غير المنتظمة، مقدما رؤية نقدية للفجوة بين التعليم وسوق العمل.

 

كيف تقيّم قانون العمل الجديد؟ وكيف ترى تطور التشريعات العمالية فى مصر والمكتسبات التى أضافتها؟

التشريعات الاجتماعية فى مصر تمثل مشكلة، لأننا مررنا بمراحل اقتصادية وسياسية متلاحقة ومختلفة تماما فى وقت واحد خلال نصف قرن، ولو رجعنا للأربعينيات، مصر كان يقال عنها إنها دولة ينتظرها مستقبل صناعى كبير، وكان منتظر أن نكون قوة اقتصادية كبرى بفضل رجال أعمال زى طلعت حرب وبنك مصر وصروح زى غزل المحلة اللى اعتمدت على القطن المصرى أحسن قطن فى الدنيا.

لكن فى سنة 1962 حصل التأميم، وانسحب رجال الأعمال وبدأنا نطبق النظام الاشتراكى تبعا للاتحاد السوفيتى، وبعدها بـ11 سنة بس، وتحديدا فى 1973، رأى السادات أن القطاع العام لوحده ما ينفعش وفتح الباب للقطاع الخاص، وفى التسعينيات بدأنا نبيع القطاع العام تحت مسمى «قطاع الأعمال العام»، وأنا وقتها كتبت مقال «إنى لا أكذب ولكنى أتجمل» تعليقا على المسمى ده لأنه كان تجميلا لعملية البيع.

تغيير السياسات الاقتصادية والاجتماعية بالكامل كل 10 سنين مثل عبئا كبيرا جدا على التشريع، وقانون العمل رقم 12 لسنة 2003 قعد 22 سنة، وفى رأيى ما كانش بالضرورة نصدر قانون جديد فى الوقت الحالى، أنا من أنصار القطاع الخاص، بس بشرط إن القوانين تكفل وجود نقابات قوية ومفاوضة جماعية، لأن المصلحة بين العامل وصاحب العمل مشتركة وليست متضاربة.

قانون العمل قد يسمى قانون الأجر، لأن الأهم للعامل هو الأجر والأرباح والحوافز، ومع بيع القطاع العام ظهرت أزمة «العمالة الزائدة» والمعاش المبكر، زمان، فى عهد القطاع العام، كان البعد الاجتماعى هو الحاكم، والخريج بيحط شهادته فى ميدان التحرير وبيتعين تلقائى.

النهاردة الوضع اختلف، وجوهر قانون العمل لازم يركز على حاجتين أساسيتين: الأمان الوظيفى وحماية فرصة العمل، والأجر العادل فى ظل نسب البطالة الحالية، وخلال السنتين اللى فاتوا، كل الكلام كان حاصل عن الحد الأدنى للأجر، الحكومة والقطاع العام طبق عليهم قرار الحد الأدنى للأجور اللى وصل ل 7000 ثم 8000 جنيه، أما القطاع الخاص فحتى اليوم لم يطبق.

 

بالحديث عن الحد الأدنى للأجور، بدأ التحريك تقريبا منذ توليكم وزارة القوى العاملة، حيث كان 700 جنيه ثم ارتفع، واليوم وصلنا إلى 8000 جنيه.. لماذا يظل القطاع الخاص حرا فى التطبيق من عدمه؟

الحد الأدنى للأجور فى أى مكان فى العالم هو حد الكرامة، بمعنى أنه لا يجوز إنسانيا أو قانونيا لأى شخص أن يعمل بأقل من هذا الحد.

هذا الرقم يحدد بناء على ما نسميه سلة المستهلك، وتحسب على أساس احتياجات أب وأم وطفلين، وأنا وقت الوزارة عملت ندوة بالاستعانة بخبراء منظمة العمل الدولية وطالبت وقتها برفع الاستحقاقات لتشمل 3 أطفال وليس طفلين فقط، نظرا لطبيعة زيادة النسل عندنا فى مصر.

الحد الأدنى للأجور تفرضه الدولة فرضا، ولا يجوز النزول عنه بأى حال من الأحوال، سواء كان المشروع يضم 10 أشخاص أو 1000 شخص، فلا يوجد استثناء فيه، ورغم أن المجلس القومى للأجور أصدر قراراته مؤخرا، والتزمت بها الحكومة والقطاع العام، فإن القطاع الخاص لا يزال يرفض الاستجابة.

المشكلة هنا مزدوجة، فصاحب العمل عندما يرفع الأجور سيحمل هذه الزيادة على سعر المنتج وبالتالى يدفعها المستهلك، نحن الآن نجنى ثمار أزمة قديمة، وهى أننا أدرنا فى عهود سابقة مشروعاتنا الاقتصادية بفكر اجتماعى وليس بفكر اقتصادى سليم يراعى التكلفة والربح ويخلق التوازن المطلوب».

 

هل يعنى ذلك أن أزمة عدم التزام القطاع الخاص بالحد الأدنى للأجور ستظل بلا حل؟

أخشى أن الحل لا يمكن أن يتحقق بين يوم وليلة، فنحن أمام سوق عمل ملىء بالمشكلات المتعددة والمتراكمة، ورغم صدور قوانين جديدة، مثل قانون العمل رقم 14 وقانون التأمينات سنة 2018، إلا أننى لا أستطيع القول بأن هذه القوانين حققت الأثر المرجو منها حتى الآن.

اليوم أصبحت لدينا نقابات مستقلة معترف بها فى مصر، والقانون النقابى الجديد تلافى إلى حد كبير الانتقادات التى كانت توجه لمصر من منظمة العمل الدولية، ولكن ما يهمنى فى عالم العمل هما شيئان: الحد الأدنى للأجر والنقابات الواعية التى تمثل العمال تمثيلا حقيقيا وتملك القدرة على الدخول فى مفاوضات مباشرة مع صاحب العمل.

والحلول التى ننتظرها، أن تكون لدينا نقابات مدركة، وأن يتقبل أصحاب الأعمال فكرة المفاوضة، البعض كان غاضبا منى عندما أعدت فكرة المفاوضة الجماعية والحد الأدنى للأجر والنقابات المستقلة، ولكن هذه هى عناصر نجاح العلاقة، صاحب العمل يجب أن يدرك أن مكسبه من مكسب العامل، وكما قال أحد الاشتراكيين الإنجليز «روبرت أوين» فى مطلع الثورة الصناعية: أفضل لكم العامل المتعلم والصحيح جسديا، فهو أفيد لإنتاجكم من العامل الجاهل المريض.

المفاوضة ليست عيبا وليست عودة للنظام الاشتراكى كما ادعى البعض، بل هى تفاهم يضمن مصلحة الطرفين، وأنا أتذكر قديما فى مصر، كانت هناك ثقافة «البونص» فى الأعياد، وكان هناك نوع من التفاهم، فالعامل يدرك تماما أنه إذا سقط صاحب العمل ستضيع فرصة عمله هو أيضا، وهذا التوازن يتطلب نقابات قوية ووعيا مشتركا.

حوار الدكتور أحمد البرعي أستاذ قانون بكلية الحقوق جامعة القاهرة
حوار الدكتور أحمد البرعي أستاذ قانون بكلية الحقوق جامعة القاهرة

 

ركزت كثيرا على فكرة النقابات القوية كحل للأزمات العمالية.. كيف تقيم وضع الحركة النقابية فى مصر حاليا؟

الحركة النقابية شهدت انفتاحا ملحوظا فى الوقت الحالى، خصوصا فى أعقاب صدور القانون الجديد، أنا أرى أن النقابات المستقلة بدأت بالفعل فى الظهور والعمل، وقد تلقيت منذ يومين فقط، دعوة من مدينة الإسكندرية بخصوص أول اتحاد مستقل سيخرج للنور قريبا، حيث بدأ إجراءات تسجيله رسميا فى وزارة العمل وهو الآن فى مرحلة تحت التسجيل ولم يعلن عنه بشكل نهائى بعد.

كما نرى استمرارية دور دار الخدمات النقابية والجهد الذى يبذله، الحقيقة أن العمل النقابى فى مصر بدأ يزدهر من جديد، والملاحظ هنا أنه يزدهر بالتوازى مع الاقتصاد الحر القائم على العرض والطلب، فهما لا يتعارضان أبدا كما كان يصور لنا فى الماضى، بل يسيران معا فى اتجاه واحد.

 

فى بداية حديثك قلت إن مصر كانت واحدة من الدول التى ينتظرها مستقبل صناعى كبير.. ما هى رؤيتك لمحاولات الدولة الحالية لتحقيق تلك النهضة ومقترحاتك للوصول إلى نهضة صناعية فعلية؟

المرحلة التى تلت قرارات التأميم مباشرة شهدت تحولات جذرية أثرت على مسارنا الصناعى، فأى مشروع اقتصادى يجب أن يكون هدفه الأول هو الربح، ولتحقيق هذا الربح لا بد من استخدام العدد المناسب فقط من العمالة، ما حدث فى النظام الذى أعقب التأميم هو ظهور مشكلة «العمالة الزائدة»، وهى التى وقفت عائقا كبيرا أمام استرجاع فكرة التقدم الصناعى التى كنا بدأناها منذ الأربعينيات بل ومنذ أوائل القرن العشرين.

المشكلة الأكبر كانت فى فلسفة الإدارة، فمن الناحية الاقتصادية، يجب أن يحدد الثمن بناء على التكلفة والعرض والطلب وهامش الربح، لكن ما كان يحدث هو أننا لم نكن نبيع بثمن التكلفة، بل كنا نبيع بما نسميه الثمن الاجتماعى، وهذا ليس قانونا اقتصاديا، بل قانون اجتماعى، ولا توجد مشروعات صناعية تنجح إذا أديرت بقوانين اجتماعية، فالمشروعات يجب أن تدار بقواعد اقتصادية تحقق الربح لضمان استمرارية التصنيع للأجيال القادمة.

ما نعيشه الآن من أزمات فى الأسعار هو نتيجة لسياسات اقتصادية خاطئة تراكمت لسنوات طويلة ولم يكن أحد يجرؤ على الاقتراب منها، وأنا أتعشم فى الخطط الحالية، ولكن لا بد من إشراك الخبراء الاقتصاديين، فمصر مليئة بالكفاءات القادرة على إيجاد حلول، ويجب أن يكون المجال الآن للاقتصاديين وحدهم، فالاقتصاد هو المدخل الوحيد لتحقيق العدالة الاجتماعية، والعدالة لا تتحقق من الهواء بل تتحقق من الكسب، والكسب لا يأتى إلا بسياسات اقتصادية ناجحة.

 

كيف تشخص أمراض سوق العمل فى مصر؟ ولماذا نعانى من تكدس الخريجين فى تخصصات نمطية؟

الموضوع يرجع بالأساس إلى أن الإدارة لدينا لسنوات طويلة لم تكن تضع الكسب كهدف أول، بل كانت تعتمد على البعد الاجتماعى، وهو أمر رغم نبل أهدافه إلا أنه يحتاج لموازنة دقيقة، واليوم نحن نواجه مشكلة إضافية وهى أن التعليم فى مصر تأثر وأصبح تعليما نمطيا، فالعالم تطور من الثورة الصناعية للتقدم التكنولوجى ثم عصر الإنترنت وصولا للذكاء الاصطناعى، أما تعليمنا فلم يستطع حتى الآن مواكبة هذا التطور السريع، وما زالت مناهجنا فى المدارس والمعاهد والجامعات تسير على نمط قديم لم يطور بعد.

إذا أردنا التقدم، فلا بد من فتح مجال الصناعات التصديرية وإدارة الاقتصاد بحيث تكون مواردنا أكثر من استيرادنا، وهذا يستدعى بالضرورة أن يعدل سوق التعليم نفسه ليواكب ما يحدث فى الخارج، لدينا تضخم هائل فى كليات مثل: التجارة والحقوق وهى زائدة تماما عن حاجة السوق، والآن بدأت الأزمة تمتد لخريجى كليات أخرى، حيث لا يجد الخريج فرصة فيضطر للبحث عن أعمال حرة أو تخصصات أخرى.

انظرى إلى تجربة الصين، فهى لم تتقدم بالمصانع الكبرى فحسب، بل باستغلال الأيدى العاملة فى الورش، وأتذكر واقعة شاهدتها فى إحدى دول الخليج، حيث كان هناك مشروع بناء تتولاه شركة صينية يعمل بها 24 عاملا، وعندما دخلت مسكن العمال وجدت 12 سريرا فقط! سألتهم بدهشة: أين ينام الباقون؟ فأجابوا بأنهم يتبادلون السرير، وردية تعمل 12 ساعة والأخرى تنام، وهكذا يعملون 24 ساعة لإنهاء المشروع فى أقصر وقت ممكن، أجد أننا بحاجة لهذا النوع من التدريب لنستطيع المنافسة.

 

حضرتك تحدثت كثيرا عن ضرورة إحياء الجامعة العمالية.. كيف ترى تأثير غيابها وما هو المطلوب لاستعادة دورها الحقيقى؟

لقد ظللت مشاركا فى الجامعة العمالية لسنوات كمتطوع، وكنت حريصا جدا على إلقاء محاضرتين أسبوعيا مع عمال حقيقيين، وكنت أستفيد من أفكارهم جدا، وفجأة، منعت من دخول الجامعة، وبعدها انقلبت حالتها تماما، فبدلا من أن تكون مركزا لتثقيف العمال، تحولت لجامعة نمطية تمنح شهادات كالألسن والمعاهد الهندسية، والآن هى متوقفة تقريبا.

إعادة إحياء هذه الجامعة بمنتهى الأهمية، لأن الثقافة العمالية جزء أصيل من نجاح النظام الاقتصادى، وكما قال «روبرت أوين»: العامل المتعلم والواعى بعلاقته بصاحب العمل، وبمتى يطلب زيادة وكيف يفاوض، هو أفضل للإنتاج، فالمفاوض الناجح يجب أن يكون لديه دراية اجتماعية واقتصادية».

 

العمالة غير المنتظمة تمثل أزمة لملايين المصريين.. لماذا فشلت القوانين المتعاقبة حتى الآن فى ضم هذه الفئة تحت مظلة كبقية موظفى الدولة؟

حكاية العمالة غير المنتظمة فى مصر هى حكاية عجيبة جدا، فهذه الأزمة تفاقمت عندما تخلت الدولة عن التزامها بالتوظيف التلقائى للخريجين الذى كان متبعا قديما، فأصبح كل من يتخرج ولا يجد وظيفة ينضم قسرا لهذه الفئة، وخلال فترة وجودى بالوزارة، كان هذا الملف يشغلنى جدا، لكننى لم أكن أجد حلولا سهلة له، فالواقع على الأرض معقد للغاية.

لقد شهدنا بعد ثورة يناير طفرة هائلة فى قطاع البناء والعقارات، والمدن الجديدة، والساحل الشمالى، ومعظم المشغلين فى هذه القطاعات لا يميلون للتأمين على العمال، ورغم وجود قانون ينص على أن التأمين الاجتماعى يحسب بناء على قيمة المبنى الذى يتولاه المقاول، إلا أن هذا الإجراء غير كاف، فنحن نتحدث عن كتلة ضخمة، فآخر الإحصائيات - وإن كانت قديمة - تشير إلى أن لدينا نحو 32 مليون عامل، منهم ما بين 8 إلى 9 ملايين عمالة غير منتظمة، وهى عملية صعبة جدا فى حصرها وحمايتها.

الحل لهذه المشكلة يكمن فى النقابات، لا بد أن تكون النقابة هى المسؤولة عن التأمين على أعضائها، وتستقطع مبالغ التأمين من المشروعات التى يعملون بها، لقد حاولت نقابة النقل فعل ذلك مع السائقين الذين يعملون على سيارات لا يملكونها، ومع العمال فى مواقف الميكروباصات، لكن التجربة لم تكتمل لأن العمال أنفسهم كانوا يتهربون من الدفع، الأزمة الحقيقية هى غياب الوعى التأمينى، فالعامل يريد أجره «كاش» كاملا ولا يفكر فى المستقبل، والمقاول يريد التهرب من التزاماته، والحل يتطلب تكاتفا بين النقابات والوعى المجتمعى.

 

كنت شاهدا على الخطوات الأولى لخروج مصر من «القائمة السوداء» بمنظمة العمل الدولية.. نود أن نعرف منك كواليس تلك الفترة، وما هى الملاحظات التى توجه لمصر حاليا؟

الحمد لله، ففى أول وزارة توليتها فى حكومة الدكتور عصام شرف، نجحنا فى رفع اسم مصر من القائمة السوداء من خلال إعلان النقابات المستقلة، وأتذكر حينها أن مدير المنظمة «خوان سومافيا» اتصل بى شخصيا - بحكم معرفته بى كونى كنت خبيرا فى المنظمة - وقال لى: «يا أحمد، علمت أن لديك مؤتمرا صحفيا غدا لإعلان الحريات النقابية، هل يمكنك تأجيله ليوم واحد؟»، فقد كان حريصا على الحضور بنفسه للتوقيع على هذا الإعلان، وبالفعل جاء والتقطنا صورة شهيرة ونحن نوقع الإعلان معا.

أما بخصوص الملاحظات الحالية، الثغرات التى نتحدث عنها فى قانون النقابات الحالى لا تستدعى بصراحة العودة للقائمة السوداء، هناك ملاحظات حول الأعداد المطلوبة لتكوين اللجان، كأن يشترط وجود 1000 عامل لتشكيل لجنة، والمنظمة مبدأها الأساسى هو عدم التدخل الحكومى فى شؤون النقابات.

ولكى تدركى حجم الفارق، فإن فرنسا -وهى من أقوى الدول نقابيا- ليس لديها «قانون نقابات» حتى اليوم، بل تخضع النقابات هناك لقانون الجمعيات الأهلية وتعامل كجمعية أهلية فقط، ورغم أن القانون المصرى يحتاج لتعديلات، إلا أننى أرى منذ صدور القانون رقم 18 أنه إذا طلب منى تمثيل الوفد المصرى وكان هناك اتجاه لوضع مصر على القائمة الطويلة لا القصيرة، كنت سأقول للخبراء «لا»، لأن هذه أصبحت موضوعات داخلية.

ما كان ينتقد قديما وبشدة هو أن مصر مصدقة على الاتفاقيتين 87 و98 «الحرية النقابية والمفاوضة الجماعية»، ورغم ذلك لم يكن يعمل بهما، بل كان القانون رقم 35 لسنة 76 يخالفهما تماما، أما الآن، فالقانون الجديد يتفق إلى حد كبير مع مبادئ المنظمة، وصحيح أن هناك تعديلات مطلوبة لكنها ليست بالقدر الذى يمنع العمل أو يستوجب الإدراج الدولى.

 

هل اختلف العامل المصرى؟ وكيف أصبح تصنيفه فى الخارج؟ وماذا نحتاج ليظل مطلوبا؟

مشكلة العمالة وكون العامل المصرى مطلوبا فى الخارج لا تتوقف فقط على مدى المهارة، بقدر ما تتوقف على العلاقات الدولية، ورغم أن النسبة قد تكون تراجعت قليلا فى الآونة الأخيرة، إلا أن الأسباب لا ترجع للعامل نفسه، وأنا هنا لا أتحدث بـ«عنجهية» مصرى، لكن العامل المصرى لا يزال يحظى بمكانته، غير أن المحك الحقيقى الآن هو المنافسة.

ولدى واقعة شهيرة فى هذا الصدد، كنت فى زيارة لابنتى فى الإمارات، وجلست فى أحد المقاهى أقرأ مجلة، فاستوقفنى خبر صعب جدا، الخبر يقول إن الفلبين وإندونيسيا أرسلتا وفدا مشتركا لمقابلة وزير الاقتصاد الإماراتى لسؤاله: ما هى احتياجاتكم من الأيدى العاملة فى العشر سنوات المقبلة؟ حينها اتصلت فورا بالوزير أحمد العماوى - رحمه الله - وقلت له لابد أن نتحرك.

وعندما عدت، طلبت من سفير الصين أن يستقبلوا 1000 عامل مصرى لتدريبهم، لأن ميزة الصين أنها تستغل الأيدى العاملة فى «الورش» وليس فقط المصانع الحديثة، ونحن نحتاج لهذا النوع من التدريب لنتمكن من المنافسة، ولا بد من وجود معاهد تدريب متخصصة.

 

ما رأيك فى الاختبارات المهنية التى أصبحت تجرى حاليا للعامل فى مصر قبل السفر للخارج؟

لو كان الأمر بيدى، ما كنت وافقت على هذه الاختبارات بشكلها الحالى.

 

لماذا؟

لأن هذه الاختبارات يجب أن تكون بأيدينا نحن «مصرية»، والأهم أن تجرى كما ينبغى وبنزاهة، عندما كنت وزيرا، طبقت فكرة قريبة من هذا على عمال الحج، فقد أوقفت سفرهم وطلبت من مصلحة الجوازات منعهم من السفر حتى يحضر أصحاب العمل السعوديون ويوقعوا معى عقودا تضمن حقوقهم، بعدما علمت من خلال تجربتى الشخصية فى الحج أنهم يتقاضون مبالغ زهيدة جدا ويعتمدون على «البقشيش» والإكراميات التى يدفعها الناس لهم.

نحن نتحدث عن آلاف العمال سنويا، والدولة يجب أن تحدد شروط عملهم وتختبرهم، وليس جهات خارجية تفرض شروطها علينا وتتولى هى تقييم عمالنا.

 

هناك الكثير من المطالبات بتعديل القانون الخاص بفصل الموظف فى حالة ثبوت تعاطى المخدرات.. ما رأيك؟

من ينظر للموضوع بشكل سطحى يقول «أحسن»، لكن من الناحية القانونية والواقعية الواحد لازم يتساءل، فالسلوك الشخصى للعامل لا يجب ربطه بعلاقة العمل إلا لأسباب محددة، أولها إذا كان لا يعرف كيف يؤدى عمله، أو إذا ارتكب خطأ جسيما من تلك الحالات التى نص عليها قانون العمل.

ولو لاحظت، فإن شروط الفصل فى القانون الأصلى كانت تشترط أن يكون العامل فى حالة سكر أثناء تواجده فى العمل، وهذا هو النص الصحيح والمنطقى، لأنه إذا كان العيب الذى نأخذه على العامل لا يتصل بعمله فلا يجوز فصله.

هناك بعد آخر غاية فى الأهمية، وهو رب الأسرة، فهذا الموظف الذى قد يكون قد ابتلى بالسكر أو التحشيش، عندما تأخذين قرارا بفصله فورا، هل فكرت كيف ستعيش عائلته؟ أنا لو كنت أضع هذا القانون، لكنت وضعت نصا يقضى بإلزام العامل الذى يثبت تعاطيه - خارج مكان العمل - بدخول مصحة علاجية، فما دام صاحب العمل قد ضمن حماية منشأته من وجود شخص غائب عن الوعى أثناء العمل، فلا شأن له بما يفعله العامل خارجها.

لا بد أن يكون هناك بديل اجتماعى، فمن الذى سيطعم الزوجة والأطفال؟ وحتى لو كانت الزوجة تعمل، ففى ظل الظروف الحالية الأسرة تحتاج لدخل الاثنين معا، لذا أرى أن التشريد ليس حلا، بل العلاج وتوفير الحماية الاجتماعية للأسرة هو الأبدَى.

p
 



أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة