منصة التتويج لا تحتمل إلا منتصرا واحدا، بينما يمكن أن تنتهى الحرب بهزيمة طرفيها معا. وعند تلك النقطة تحديدا؛ سترى الاحتفالات على الجانبين.
يبدو المشهد غائما تماما؛ لدرجة أنه يقبل التوصيف بالمعنى وضدّه فى ذات الوقت.
تزعم الولايات المتحدة أنها أنجزت فروضها كاملة، وتُشدد الجمهورية الإسلامية على خروجها من الميدان بأفضل مما كانت عليه قبل الدخول، أو الاستدراج بمعنى أدق!
أُبرمت الهدنة بالتزامن مع أربعين المرشد الأعلى السابق، على خامنئى، أول ضحايا المواجهة، وذروتها التى ما بعدها ذروة.
نظريا لم تنته الحرب بعد؛ أما عمليا فيُمكن الجزم بأنها وضعت أوزارها، ولن تتجدد سواء أثمرت المفاوضات اتفاقا سريعا، أو تعطلت الطاولة.
الصفقة بالمحتوى والتعريف، مجرد فسحة تكتيكية غرضها التقاط الأنفاس، أكان بفتح نافذة للدبلوماسية أم بامتصاص حرارة سوق الطاقة.
ما يعنى أنه يمكن اعتبارها وقفة تعبوية، وتكرارا لما فعلته الإدارة الأمريكية فى تجارب سابقة.
غير أن السياق الراهن يختلف عما فات، ولم يعد يحتمل استنزاف الوقت، وإطالة الأمد على صراعات طرفية غير أصيلة بالنسبة للبيت الأبيض.
فضلا على أنها لا تخدم استراتيجيته الأساسية بشأن أولوية نصف الكرة الغربية، ومساعيه للتحلل من عبء الشرق الأوسط.
عندما يستبق خصمان متعادلان على ادعاء الفوز؛ فلا معنى سوى أنهما يضيقان بالمباراة، ولا يأملان الأفضل لاحقا. بحث عن الشكل؛ لتغطية مرارة المضمون.
سواء اعتبرنا الحرب امتدادا للسياسة، وفق قول كلاوزفيتز، أو على الضد منها بالكامل؛ فالمحصّلة واحدة فى واشنطن وطهران: الحسم غير ممكن، ولا أُفق للاستنزاف المتبادل.
وأقصى كسب مُحتمل من الاستمرار، أقل من المشقة وجهد الانتظار، أو أعلى كلفة من الخسائر المؤكدة لو جُمِّدت الوقائع على حالها الراهنة.
وكى لا يكون التقدير مضللا؛ فيجب ألا تُعزَل الجولة عن سياقها العام. إنها امتداد لطوفان الأقصى، وحلقة فى سلسلة فخاخ حفرتها المُمانعة وانزلقت إليها.
المحور أضعف مما كان، ورأسه أيضا، والصمود لا يُعوض عن تكاليف باهظة، ستظل تُسدّد لسنوات، وربما لعقود مقبلة.
خفتت الهالة الأمريكية، وخسرت الدولة الأكبر على صعيد المكانة والرمزية.
وفى المقابل أضعفت نظام الملالى، وثبّتت صورته الخطرة، وأكدت للحلفاء أهمية حضورها الإقليمى، وأولوية توطيد الشراكة معها مهما كانت الأثمان.
نتنياهو أول الرابحين؛ فقد استكمل حلقة الإجهاز على ألدّ أعدائه. أعاد حزب الله كثيرا للوراء، وأفنى حماس أو يكاد، وما عادت إيران غولا يختبئ فى الظلام، أو جدارا يصعب القفز عليه.
وبعيدا من تشويه الهزيمة أو تأويلها؛ فأشد ما وقع على عاتق الجمهورية الإسلامية، أنها خسرت موقعها المعنوى، ولم تعد تثير فى نفوس خصومها ما كانت تثيره فى السابق.
باختصار؛ سقطت معادلة التوازن. والردع بطبعه يعمل تحت السطح، بلا ضجيج، ويصعب اختباره فى وقت التشغيل الفعلى.
أى لا يُكتَشف تآكله أو انعدام فاعليته؛ إلا عندما يتداعى على رؤوس المُحتمين به!
أدرك ترامب المأزق: إهانة الانسحاب، وأوحال الاستمرار. ومدى صلاحياته المؤطر بشهرين قبل العودة للكونجرس، مع موسم الانتخابات النصفية الذى يقترب، وما سببته المغامرة من تفسخ فى البيت الجمهورى، ونزيف فى القاعدة الموالية عموما.
وعليه؛ فالهدنة تصفير لعدّاد الحرب أولا. تثبيت لمكاسبها الميدانية، ربط للحسابات العالقة، وتحول نحو تسييس الجهد العسكرى، وترجمة الشق الأهم فى نظريته عن «السلام من خلال القوة»، وتحت الضغط.
تراجع الطرفان عن كثير من نزق البدايات. الشروط الأمريكية يُعاد النظر فيها، وبنود إيران العشرة تخلو من أى حديث عن القواعد والنووى والباليستى.
الخلافات متسعة؛ إنما لا تستعصى على الحل. يذهبان غدا إلى إسلام آباد، فى مفاوضات مشروطة زمنا ومحاور، مع قابلية التمديد برغبة الطرفين.
وستحدث مقاصة بين الورقتين، فيظل ادعاء النصر ممكنا لهما، وتُستوفَى الأثمان من الآخرين.
وبلا مواربة؛ فالمنطقة أكبر الخاسرين من شقاق العدوّين ووفاقهما: كانت مسرحا للقتال، ونزفت فى الاقتصاد. خُذِل الخليج من واشنطن، وتلقى ضربات طهران، وسيبقى الوضع على ما هو عليه للأسف.
كلاهما اتخذ الإقليم رهينة، وتحديدا مكوّنه العربى. حوله صقور الحرس الثورى صندوق بريد، وابتزه رجل الصفقات الأمريكى بالأمن والحماية.
وسيتصالحان على تحصيل رسوم عن عبور المضيق، يقتسمانها غالبا، بعدما تُقتطع من موارد منتجى النفط وأقوات المشترين حول العالم.
لأمريكا يد بيضاء على الخمينى وثورته، وكبر النظام وتوحّش تحت بصرها، واستغلته فى البلطجة وتخليق الذرائع. ولا مصلحة لها فى سقوطه؛ بل النفع كله أن يبقى وتبتز به أغنياء الضفة المقابلة.
يكتسب الحراس قيمتهم بوجود اللصوص/ المخاطر. والمقاومة لا تزدهر إلا تحت احتلال وظلم. كلاهما حاجة وجودية للآخر بلا شك.
هشاشة واشنطن راجعة لانتهازية إدارتها، وعناد الملالى مردّه احتقار فكرة الدولة، وتسييد الميليشيا. والاثنان أسوأ خصمين فى الحرب، وأردأ شريكين فى السلام والصفقات.
المُعلن منهما ليس الحقيقى بالضرورة. وما على السطح غير ما تحت الطاولة.
والمؤكد أن أحدا منهما لن يقبل بأقل مما كان بمقدوره أو معروضا عليه قبل الحرب؛ أما بقية الأطماع فقد تتأجل قليلا، أو يعاد تكييفها، وفى كل الأحوال ستُستوفى من شرايين المنطقة المفتوحة.