تُعرف التمثيلات العقلية بأنها تحويل المعلومات المجردة إلى رموز أو نماذج، يربطها مغزى أو معنى بعينه، من خلال تنظيم الخبرات من قِبل عقولنا، وهي تمثل الجزء الأصيل من أنماط الوعي والبنية العميقة، التي يستمدها الفرد من أطر الخبرة في مجالاتها النوعية؛ حيث تقوم على معيارية التنظيم الدقيق والربط العلاقاتي بين المفاهيم؛ مما يبني دلالة عقلية توجه سلوك الفرد، وتساعده على ترجمة ما يتلقاه من معلومات، وتوظيفها في سياقات متعددة.
الفهم، والاستيعاب، والمقدرة على التشكيل، والتوظيف مرهون بتنظيم الخبرات من قِبل عقولنا؛ لتتحول المعلومات المجردة إلى رموز، أو نماذج يربطها مغزى، أو معنى بعينه؛ لذا تقوم ماهية التمثيلات العقلية على هذا المعيار، وهنا ندرك خطورة، وأهمية البنى المعرفية، التي يحوزها الإنسان؛ إذ ينبغي أن تكون في سياق سليم؛ لتصبح الأذهان على جاهزية؛ لترجمتها في إطار حسي قويم؛ فحينما يكتسب الفرد دلالة مفهوم بعينه، أو قيمة باتصافاتها؛ فإنه يبني تمثيلا في عقله نحو ذلك، يوجهه في مسار نلاحظه، أو نرصده في سلوكياته اللاحقة.
رسالة مؤسساتنا التعليمية بمختلف صيغها، وسلمها، تشكل بِنى المعرفة في سياق التمثيلات العقلية، التي أشرنا إليها، وتضع الأنشطة المخططة سلفًا من أجل هذه المهمة الرئيسة؛ ومن ثم تعمل على تحويل أوعية المعلومات إلى تمثيلات، نصفها بأنها القلب النابض للعملية التربوية برمتها؛ حيث إنها تشكل الجزء الأصيل من أنماط الوعي في إطاره الصحيح، وبالطبع يساعد ذلك قطعًا في ربط الأطر النظرية بتطبيقاتها من خلال مهام محددة نوعية، يؤديها فلذات الأكباد؛ كي تتكامل صورة الخبرة لديهم.
صورة التعليم الواقعي ترتبط بالكلية بالتمثيلات العقلية؛ إذ لا تنفك عن كونها صورة للبنية العميقة، عبر ما يتلقاها الفرد من أطر الخبرة في مجالاتها النوعية؛ لذا فإنها تستمد فلسفتها في معيارية التنظيم الدقيق، والربط العلاقاتي بين المفاهيم، أو كل ما يتوالد عن المعرفة المغذية لبِنى معارفنا، وهذا يجعلنا نخرج من مأزق الحفظ، والاستظهار إلى واحة الفهم العميق، والدخول من بوابة التفكر إلى التفكير بأنماطه المختلفة؛ ومن ثم يحدث ما ننشده، والذي يكمن في بنائية المعرفة، القائمة على الفهم العميق، والتحليل المعطيات، والاستنتاج، والاستنباط، واكتشاف العلاقات، وتصنيف الأنماط، وتنظيم المفاهيم في سياقات مترابطة، والاستدلال المنطقي، القائم على الأدلة، والبراهين، وتركيب النتائج، وبناء التفسيرات، وتوليد الأطروحات، والبدائل، وتقويم ما نقوم به وفق معايير واضحة، وصولًا إلى حلِّ المشكلات، وصناعة، واتخاذ القرار الرشيد، مع توظيف أثر التعلم في مواقف جديدة بمرونة، وكفاءة.
تبحرنا فيما أتت به النظريات النفسية، والتربوية من فرضيات، ومبادئ، وتصورات تحمل فكر أصحابها، يوثق في وجداننا فلسفة التمثيلات العقلية، القائمة في الأصل على المتعلم، لا يأخذ المعرفة جاهزة؛ لكنه يقوم ببنائها، عبر تفاعلات منظمة، ومقصودة بمواقف تعليمية، مخطط لها، بما يجعله يشكل تمثيلات قويمة في ذهنه، تساعده على ترجمة ما يتلقاه، أو يتعرض له من معلومات، وهذا يتناغم بالكلية مع النظرية المعرفية، وبالطبع نجد أن عقولنا تعمل بحرفية على تكوين نظم شبكية للمعارف، بحيث يسهل الإضافة إليها، أو تجديدها، وينسجم ذلك مع نظرية المخططات المعرفية، ناهيك عن نظرية التشفير الثنائي، المؤكدة في سياقها على أن الدمج بين التمثيل اللفظي، والتمثيل الصوري يؤدي إلى تعزيز، وتعميق خبرات التعلم، ويجعل المعلومات أكثر قابلية؛ للاستدعاء، والتوظيف في سياقات متعددة.
أرى أن تعضيد التمثيلات العقلية داخل سياج مؤسساتنا التعليمية، يرتبط بتصميم أنشطة تعليمية، ذات مهام محددة، تمكن المتعلم من أن يفسر الظواهر، ويتنبأ عبر الشواهد بمستقبليات الأحداث؛ لذا فكلما قمنا بتعظيم الممارسة؛ كي ترتقي من مستوى التحصيل إلى الممارسة القائمة على التفكير، ومهاراته المختلفة؛ حينئذٍ يصبح الهدف التربوي ممتد الأثر، يفتح مسار الشغف، وحب الاستطلاع العلمي لدى الأبناء، ويزيد من مقدرتهم على توظيف ما تم اكتسابه في ميادين، مفعمة بالعديد من القضايا المستحدثة وفق متغيرات، يصعب السيطرة عليها؛ كونها تتوالد مع التطور العلمي التقني، الذي لا يتوقف قطاره.
المعلم صاحب الرسالة السامية يعد مهندسًا للتمثيلات العقلية، يوجه المتعلمين نحو فهم عميق، ومنظم، يبدأ بالكشف عن تصوراتهم السابقة، عبر أسئلة مفتوحة، أو خرائط ذهنية، ثم يعيد البناء المعرفي باستخدام التعلم النشط، والنماذج العملية، وربط المفاهيم الجديدة بخبراتهم، كما ينوع أنماط العرض بين الشرح اللفظي، والأنشطة التطبيقية، ويشجع التعبير بالرسم، أو الكتابة التفسيرية، ويعتمد التقويم البنائي المستمر؛ للكشف عن الفهم العميق؛ فتتحول الحصة إلى بيئة؛ لإعادة تشكيل البنية الذهنية، وتنمية مهارات التفكير.. ودي ومحبتي لوطني وللجميع.