ما عاد العالم ينطلق من ثوابت وبديهيات؛ فكل شىء مطروح للنقاش، وعُرضة للتشكيك والتأويل، وحتى القيم الإنسانية البسيطة لم تنجُ من المذبحة.
ينظر الغرب للشرق من زاوية عالية، ويعُدّهما ضدّان حتمًا ولن يلتقيا على الإطلاق، حسبما قال الشاعر الإنجليزى روديارد كبلينج فى قصيدة شهيرة.
كُفّار من وجهة نظر اليمين المسيحى، مُتوحّشون على مقياس الرجل الأبيض المُتحضر، ومُتخلّفون عموما وبالإجمال من منظور الاستشراق.
ومن جانبنا؛ فلم نُقصّر فى التصعيد، أو الرد على التحية بأحسن منها. ومعيار الحُسن أن تكون أغلظ من عدوّك، أشد بأسًا منه، وأكثر عنصرية أيضا.
الولايات المُتّحدة شيطان أكبر، وإمام الاستكبار وراعيته. هكذا تراها إيران، الموصوفة من الجانب الآخر بالشر والإرهاب والمروق، وكلاهما يستطلع صورته فى مرآة الآخر، ويصفه بما يُوصَف به بلا زيادة أو نقصان.
انطلق هتلر فى نازيته من شوفينية ترى أن للعرق الآرى فضلاً وسيادة على بقيّة الأعراق. والإيرانيون من الطبقة البيضاء، وعاشوا ينظرون للعرب بتعالٍ، كما يُنظَر لهم اليوم من الغرب، أو الأمريكى منه تحديدًا.
حيوانات، يتعيّن إيقافهم، ولن يمتلكوا سلاحا نوويا.. يقول ترامب عنهم فى معرض ردّه على شُبهة ارتكاب جرائم حرب.
وسبق أن استخدم وزير دفاع الاحتلال الإسرائيلى ذات الصفة بحق الفلسطينيين فى غزة.
لا تُستخدم لغة الحطّ من البشر بأوصاف حيوانية على الجانب الآخر؛ لا لشىء إلا الاعتبارات الدينية ومأثورات الفقهاء، ولكن لا مانع من توقيعها بالممارسة العملية.
عاش حسن نصر الله ومات يصف قاعدة حزب الله الشعبية بأنهم أشرف الناس، ويجعل لهم وحدهم وزنًا دون الآخرين.
ما يعنى بالضرورة تحويل البقية إلى أصفار، تُطعَن بالخيانة والتحقير أوّلاً، ثم لا غضاضة من أن تموت مجانا.
من العيّنة نفسها، كان حديث القيادى الحمساوى الأشهر خالد مشعل، عندما شطب بجُملة عابرة على كارثة القطاع التى تسببت فيها حركته، واعتبر آلاف القتلى والمصابين مُجرّد «خسائر تكتيكية».
وعلى الدرب؛ يخرج مسؤول إيرانى رفيع المستوى، يدعو الشباب والطلاب والفنانين وعامة الشعب، إلى تشكيل «سلاسل بشرية» حول محطات الطاقة، استباقا لموعد انتهاء المُهلة الأمريكية للاتفاق، أو تدمير أصول الدولة وبنيتها التحتية.
المرافق لخدمة المواطنين، والجيوش لحمايتهم؛ أما فى المُجتمعات العقائدية وتحت رايات الأصولية.
فلا قيمة إلا للفكرة مهما بدت ساذجة ومستحيلة، ولا اعتبار لضحاياها مهما تضاعفت الأعداد وتراكمت الجماجم.
والجميع خدم وقرابين، مُسيّرون لا مُخيّرون، وعليهم الطاعة والالتزام بما يفرضه عليهم ولاة الأمر.
إنها العقلية التى قتلت الآلاف فى شوارع البلاد، شرقا وغربا ومن كل الفئات والأعراق، منذ الثورة الخضراء قبل نحو عقدين، وقبلها، مرورا باحتجاجات مهسا أمينى، وإلى تظاهرات ديسمبر ويناير الماضيين.
عاد الخمينى من منفاه فى باريس؛ ليُعمِّم الثورة التى بدأت مدنيّة، ويُعلّق اليسار وبقيّة التيارات السياسية على أعواد المشانق.
ومن يومها، يُنحَر البشر فى إيران بأيدى أشقائهم، بما لا يقل عن استخفاف الأمريكيين والإسرائيليين بأرواحهم الآن.
لا مُبرّر لعنصرية الغُزاة المُعتدين؛ كما لا يُمكن أن يُغتَفَر ذنب بذنب، وقد هرب الملالى وجنرالاتهم إلى الأمام، فاعتدوا على جوارهم الخليجى، أضعاف ما ردّوا على عدوّهم الصهيونى.
شكل آخر للافتتان بالموت، وتقديمه على الحياة. والإنسانية بطبعها لا تتجزّأ، أى لا فارق بين ترامب ونتنياهو وخامنئى، ولا يختلف ضحايا الثلاثة مهما تنوّعت بيئاتهم وألوانهم.
وقاحة مُعزّزة بالقوة تسمح لأحدهم بفعل ما يُريده، متى وأين أراد، وقيود ظرفية تُجبر سواه على الوقوف عند حدٍّ مُعيّن؛ ولو استطاع القفز عليه ما قصّر ولا انتظر.
واشنطن مسؤولة عن الأزمة الاقتصادية بقدر مسؤولية حرس الثورة، والأخير عليه جريرة الانكشاف فى الداخل، والجرأة على الخارج، وسوء التقدير فى السلم والحرب.
وما من شىء يدعو للتفرقة بين قصف الخليج الآن، واختراق دول المنطقة فى العقود الماضية، والسيطرة الشريرة على أربع عواصم عربية. وأخيرًا التسبّب فى انهيار إيران ذاتها، بطشًا وفقرًا، ثم ضعفًا وهزيمة.
وتبلغ الوقاحة مبلغها، مع تصاعد سرديّات النصر. تُعيد الطغمة الحاكمة تعريف الحرب من وجهة نظر ضيّقة، وكما فعلت حماس قبلها.
وخلاصتها أنها تنتفع بالدولة على طول الخط، وفى وقت التقييم تتحلّل منها لتختزل نفسها فى صفة الميليشيا.
المواجهات النظامية لا انتصار فيها إلا بهزيمة العدوّ؛ أما الحروب اللا تماثلية فيكفى فيها غياب الحسم، لتربح العصابات وتخسر الجيوش.
وعليه؛ فإيران الرسمية تسرق الدولة من مُلّاكها الحقيقيين، وتُجيّر الحرب لصالح طبقة الفقهاء والجنرالات، وكأنهم كيان قائم بذاته خارج الجغرافيا والديموغرافيا.
يُهدد ترامب، وما زال، وفى غضون ساعات تنتهى مُهلته. ضُرِبَت المرافق الحربية فى جزيرة خَرج؛ كتحضير على ما يبدو لعملية برّية تُسيطر على جوهرة الاقتصاد الفارسى المأزوم.
لا يُرجّح أن تُمَدّد المُهلة؛ إنما لا تنتفى المفاجآت دومًا. الوسطاء لم ييأسوا بعد، والتصعيد أقرب الاحتمالات.
النهاية فى كل الأحوال ليست فى صالح إيران؛ لكنها قد لا تضّر حُكّامها، أو هكذا يرون، من مُنطلق أنهم يضعون أنفسهم فوق البلاد والعباد.
لا تُقاطع عدوّك عندما يرتكب الأخطاء. تتردّد جُملة نابليون فى واشنطن وطهران وتل أبيب، وثلاثتهم مُخطئون، فيما يعجز الضحايا الفعليون عن مقاطعتهم أو ردّهم للرشّد والاعتدال.
حرب لا تشفّ عن شىء من حقيقتها. كل دعاياتها كاذبة، وكل أهدافها مُنحطّة وغير سامية.
أطرافها عنصريون ومخابيل وأصوليون أيضًا، يتعاركون كمصارين البطن الواحد، ويمنحون العنصرية أقنعة شتّى مُتمايزة، فيما جوهر صراعهم على مَن يسبق الآخر، ليسرق ويبطش بأبرياء لا ناقة لهم ولا جمل فى كل الأحوال.