نوقن أن الحياة ليست على سبر واحد، وأن فرحتها وبهجتها وسعادتها وسرورها لا يدوم، وأن حزنها ومنغصاتها وما بها من مآسي تتبدد مع مرور الأيام، وأن المكابدة فيها مستدامة من أجل أن تستمر، وأن المعاناة شريطة بلوغ الغايات أمر لا مناص عنه، وأن مراحل النضج في دهاليزها لا نستطيع الوصول إليها في ليلة وضحاها، وأن الوقائع بها من المتناقضات ما يثير الدهشة ويلفت الانتباه، وأن العبر في تفاصيلها لا نصل إلى منتهاها، ومع ذلك تأتي الفرصة لنحول شتات أمورنا بها إلى إرث من الاستقرار والسكينة والطمأنينة؛ لنستطيع أن نستكمل مسيرتنا في دروبها.
فلسفة الحياة تدعونا أن نواجه صدماتها، وأن نمتلك مقومات المواجهة وأدواتها، وأن نستلهم من خبرات مربية نمر بها ما نستفيد منه في طالع أيامها، وأن نحسن السريرة ونجد ونجتهد بغية أن نتجاوز مراحل الصعاب وعثرات المواقف وضجيج الصراعات، التي لا تنتهي في جزئياتها، وهنا تبدو الدعوة واضحة المعنى وبيانها له مغزى يفقه أولي الألباب؛ حيث الحكيم من يحول ألمه ووجعه إلى ترياق يخلق منه قرارات مفيدة، ويخرج من بوتقة الانكسار إلى واحة القوة، متزودًا بعزيمة لا تفتر وإرادة لا تلين؛ ومن ثم نسمه بصفة المقاتل، الذي لا يترك ميدان معركته ويختبئ تحت مظلة الهروب.
ندرك أن طبيعتنا الإنسانية دومًا ما تفتح باب التأمل في كل يما يحدث الألم في البنان أو الوجدان؛ حيث وظيفية المسبار الذي يستكشف الموضع ويشخص آثاره وينقل إشارات تسهم في تعزيز الفهم؛ لذا عندما نصغى لرسائله الشفيفة تستشعر أرواحنا أن الأمل باق، وأن الرجاء لا ينقطع، وأن الطريق ما زال يسمح بالترجل؛ فلا مجال للخوف، ولا معنى للتردد، فقد باتت العثرات معتادة، ومتلون الصعوبات والتحديات من قبيل العادة؛ لذا نزيد من جهودنا ونقود طاقة العطاء، ونلهب حوض المثابرة؛ لنحقق أماني مشروعة، ونؤدي مهمة تقع في جلباب المسؤولية، نشعر بعدها بماهية الرضا.
نعي أن الانبهار لحظة مؤقتة؛ لذا لا نجعلها تعيق مسيرة اليقين؛ كي لا نضل المسيرة، أو نتوقف عن نقطة قد تؤثر على قيم نبيلة اتصفنا بها؛ فما أجمل البذل وما أرقى صور العطاء، وما أفضل من عمل نؤديه بإتقان، وما أروع من نتائج يبهج النفوس ويغذي بوتقة الابتكار؛ لذا أضحى هجرة البريق من باب التدبر والتعقل فرض عين؛ فالقشور تخفى من خلفها زيف يغاير ما نتوقعه، وما نتخيله، وما قد يدور في أذهان بريئة؛ ومن ثم صار البعد عن صخب الانطباعات أمرًا يبعث في نفوسنا الراحة والطمأنينة، ويترك أثر إيجابيًا يجعلنا نستكمل سيرنا ومسيرتنا دون وجل أو مُرتَعِب.
تقوم فلسفة الحياة دون مواربة على ماهية الاندماج الاجتماعي؛ حيث الانفتاح الفكري المذيب لأطر الخلاف والمؤدي إلى سياسة الوفاق؛ فقد بدت الشراكة مطلبًا رئيسًا لا غنى عنه في تقدم الفرد والمجتمع على السواء؛ فالجميع في طي التكليف يتحمل المسؤولية؛ إذ ينبغي أن يترك الأثر الباقي نتاج ممارساته؛ ومن ثم تغدو ثمرة الإنسانية ناضجة وورودها تفوح عطرًا في أرجاء المعمورة؛ فتصبح حياتنا هادئة مستقرة لا يعكر صفوها إلا نوازل الدهر المكتوبة في علم الله القدير، وهنا ندرك ضرورة العمل على هندسة العلاقات بين بني البشر؛ لتتضافر الجهود في تجميل المعمورة والرقي بمقدراتها والبعد عن كل ما قد يضير بمفرداتها.
الحياة المفعمة بالرضا تورث السكينة في الوجدان، وصون البدن من طيف أمراض النفوس، وهنا نوقن أن ترميم الجراح يستند على سياسة التسليم لمن بيده مقاليد الأمور؛ فصار الحمد والشكر من مقومات إعلان المقدرة على استكمال التكليفات، وهذا ما يمثل في حياتنا ماهية التصالح مع النفس؛ حيث مقدرتنا على إعادة الترتيب وإدارة الذات وفق المنهجية، التي نسلكها والمعتقد الذي نؤمن به، وفي إطار ميثاق فلسفة الحياة.. ودي ومحبتي لوطني وللجميع.