لم يعد الاعتماد على استيراد الدواء خيارًا آمنًا في عالم تتسارع فيه الأزمات وتتقلب فيه سلاسل الإمداد بين ليلة وضحاها. فمع كل أزمة عالمية، يتجدد السؤال: ماذا لو تعطل تدفق الدواء؟ ومن هنا، تتحول قضية توطين صناعة الدواء من ملف اقتصادي إلى معركة حقيقية تخوضها الدولة المصرية من أجل تحقيق الاكتفاء الذاتي وتأمين صحة المواطنين.
لقد كشفت التجارب الدولية، خاصة خلال جائحة كورونا، أن الدول التي امتلكت قدرات تصنيع دوائي محلية كانت الأكثر قدرة على الصمود، بينما واجهت الدول المعتمدة على الاستيراد تحديات قاسية في توفير احتياجاتها الأساسية لذلك، لم يعد مقبولًا أن تظل صناعة الدواء رهينة للخارج، خصوصًا في ظل ما تمتلكه مصر من إمكانيات صناعية وبشرية تؤهلها لتكون مركزًا إقليميًا في هذا المجال.
الواقع يشير إلى أن مصر قطعت بالفعل خطوات مهمة نحو تحقيق الاكتفاء الذاتي، حيث يتم تصنيع نسبة كبيرة من الأدوية محليًا، وهو ما ساهم في تخفيف الضغط على العملة الأجنبية وضمان توافر الدواء في الأسواق لكن المعركة لم تنتهِ بعد، فالتحدي الأكبر لا يزال قائمًا في توطين صناعة المواد الخام الدوائية، التي تمثل العمود الفقري لأي صناعة دوائية حقيقية.
إن الاكتفاء الذاتي لا يعني فقط إنتاج الدواء في شكله النهائي، بل يتطلب امتلاك التكنولوجيا، وتوطين البحث العلمي، وتطوير منظومة متكاملة تبدأ من المعامل وتنتهي بخطوط الإنتاج. وهنا، تظهر أهمية الاستثمار في البحث والتطوير، وبناء شراكات استراتيجية مع الشركات العالمية لنقل الخبرات والتكنولوجيا الحديثة، بدلًا من الاكتفاء بدور المستهلك.
كما أن توطين صناعة الدواء يحمل أبعادًا اقتصادية تتجاوز حدود القطاع الصحي، فهو يفتح الباب أمام زيادة الصادرات، ويوفر فرص عمل، ويعزز من قدرة الاقتصاد الوطني على مواجهة الصدمات فكل مصنع دواء يتم إنشاؤه هو خطوة نحو تقليل الفاتورة الاستيرادية، وكل منتج محلي هو دعم مباشر للاقتصاد المصري.
لكن تحقيق هذا الهدف يتطلب رؤية واضحة وسياسات داعمة، تبدأ من تحفيز الاستثمار، مرورًا بتسهيل الإجراءات، ووصولًا إلى دعم الابتكار وتشجيع الكوادر العلمية. فالمعركة ليست سهلة، لكنها ممكنة إذا توافرت الإرادة والتخطيط.
في النهاية، تظل معركة توطين صناعة الدواء واحدة من أهم معارك الأمن القومي في مصر. فهي ليست فقط معركة لتوفير الدواء، بل معركة لامتلاك القرار، وحماية صحة المواطن، وبناء مستقبل أكثر استقلالًا. ومع استمرار هذه الجهود، يمكن لمصر أن تتحول من مستورد كبير للدواء إلى قوة إقليمية رائدة في صناعته، وهو الهدف الذي يستحق أن نخوض من أجله هذه المعركة حتى النهاية