أجد نفسي منساقة بشغف لا يقاوم نحو تلك الأفلام التي تجعل من المرأة محوراً، لكونها الدرامي وقوة محركة لأحداثها فالمرأة ليست شخصية عابرة، بل هي الرمز والقضية والقصيدة، ويزداد هذا الانجذاب حدة وعمقاً عندما تخرج الحكاية من قلب الثقافة العربية ومن عمق تاريخنا المليء بالشموخ حيث تتشح البطولة بوشاح الكبرياء وتصاغ الحرية بلسان الضاد فهناك سحر خاص يربطني بتلك الأعمال التي تعيد رصد تفاصيل هويتنا من خلال عيون نساء لم يكتفين بانتظار المصير بل صنعنه بأيديهن مما يجعل المشاهدة رحلة في اكتشاف الذات والاعتزاز بجذور تسكنها العزة والجمال.
من بين سكون رمال نيوم وتبوك وصليل السيوف بعثت من رماد التاريخ حكاية من تلك الحكايات. ففي فيلم محاربة الصحراء لم تعد هند بنت النعمان مجرد اميرة او اسم في كتب التراث بل تجسدت كصرخة حرية مدوية في وجه إمبراطورية لا تغيب عنها الشمس، لتستعد شاشات العرض في 23 أبريل المقبل لاستقبال واحد من أكثر الأعمال السينمائية طموحاً وضخامة حاملاً معه أصداء إشادة عالمية من مهرجان زيورخ السينمائي 2025، ليحط الرحال أخيراً في صالات العرض العربي.
ويروي حكاية حقيقة لكنها تشبه قصص الخيال، لم يكن اختيار مواقع التصوير في هذا العمل مجرد تفصيل تقني أو خلفية عابرة، بل كان استحضاراً لروح النص وانصهاراً تاماً معه ففي قلب نيوم وبين تضاريس تبوك وقع اختيار المخرج روبرت ويات محولاً الطبيعة السعودية إلى مسرح ملحمي حي ينبض بأنفاس شبه الجزيرة العربية في القرن السابع الميلادي، هذه الأرض التي لم تكن يوماً مجرد صحراء قاحلة تتجلى في الفيلم كقصيدة من الصخر والرمل مهدت لقصص البطولة والسيادة، حيث أعاد الفيلم إحياءها بصورة بصرية مذهلة تجعل من تدرجات الضوء على الرمال لغة تحكي ما عجزت عنه الكلمات في الكتب عن ذلك الزمان البعيد.
حيث كانت القبائل تتجاذبها أطراف القوى العظمى تطل علينا الأميرة هند التي تجسدها عائشة هارت لا كفتاة تبحث عن الخلاص بل كقائدة ترسم طريق النجاة لأمة، فالفيلم لا يقدم هند كضحية لطلب كسرى الذي يؤدي دوره بن كينغسلي الذى يطلب الزواج منها قسراً، بل يقدمها في لحظة الرفض المقدس، هذا الرفض الذي كان الشرارة لزلزال سياسي هز أركان الإمبراطورية الساسانية.
الصحراء هنا هي البطل الصامت الذي يختبر معادن النفوس وحين تفر هند مع والدها الملك النعمان غسان مسعود نرى تحولاً درامياً أخاذاً، حيث تسقط تيجان الملوك في الرمال، لكن كبرياء هند يظل شامخاً كجبال تبوك، وتضطر هند لوضع ثقتها في قاطع طريق غامض أنتوني ماكي في مفارقة تعكس أن الفجر قد يولد من شدة الظلمة.
الفكرة عظيمة تعكس حقيقة غابت عن الأفلام العربية طويلا.
التاريخ العربي ملىء بملاحم قادتها نساء، وكن بذكاء يفوق التصور، متل شخصية هند التي كانت العقل المدبر الذي نجح في توحيد الشتات، وهي التي حولت التناحر إلى تلاحم، والخوف إلى إقدام لتمهد الطريق لتلك اللحظة الفاصلة في تاريخ العرب، معركة ذي قار.. هنا لا تظهر هند كمحاربة بالسيف فحسب، بل كمحاربة بالكلمة والحكمة والنخوة التي استنهضت بها كرامة أمة بأكملها.
إن محاربة الصحراء ليس مجرد فيلم أكشن تاريخي، بل هو اعتراف سينمائي بجمال الأرض وعراقة مكانة المراة منذ قرون واحتفاء بهند بنت النعمان الأميرة التي لم تنحن للعاصفة بل صارت هي العاصفة في 23 أبريل استعدوا للقاء هند ليس في صفحات الكتب الصفراء بل وجهاً لوجه في ملحمة سينمائية تعيد للصحراء صوتها وللمرأة العربية هيبتها التاريخية