عصام محمد عبد القادر

ثقافة الشورى الأسرية

الثلاثاء، 07 أبريل 2026 01:15 ص


فقه ماهية الشورى الأسرية، وإدراك كنهها، بوصفها ركيزة أساسية للاستقرار، نراه في اهتمام بالغ، وعناية حثيثة، تبدى من قبل منتسبيها، دون استثناء؛ حيث يحرصون على ترجمة هذا الوعي نحو عقد لقاءات دورية، وندوات بسيطة مستدامة، تستهدف في مقامها الأول مناقشة الأحوال العامة، والخاصة لأفرادها، والوقوف على أدق تفاصيل حياتهم بروح من الودّ، والمحبة والمشاركة، كما ترمي هذه الاجتماعات الأسرية إلى التوافق، حول صياغة الرؤى المستقبلية، والخطط البعيدة المدى، التي تضمن تماسك الكيان الأسري، وتحقّق غاياته العليا، فضلاً عن مراجعة الممارسات الماضية بغرض إلقاء الضوء عليها، وتناول تفاصيلها، ومن ثمّ فإن فحص نتائجها من حيث الإشادة بها، وتثبيتها إن كانت صائبة، أو تقويمها، وتصحيح مسارها إن اعتراها خلل، أو قصور، وهذا الوصف المختصر، والشامل لهذه الآلية الحضارية، أعتقد أنه ينسدل بشكل مباشر من فلسفة الثقافة القيمية المرتبطة بالمفهوم الأصيل للشورى، والذي يمثل بؤرة التناول، ومحور التركيز في بناء المجتمعات الفاضلة، بدءً من نواتها الأولى.


إنني أرى أن الثقافة العميقة المعنية بالشورى الأسرية، وترسيخ قواعدها، لا بد أن تقوم على مبدأ المحبة، والرضا، والتفاهم المتبادل بين جميع أفراد البيت الواحد، بوصفها القواعد الصلبة، المستند إليها البناء الأسري السليم، كما أنها ثقافة، لا تنفكّ عن معيار القدوة الحيّة، والمؤثرة، التي يستلهم منها الأبناء الأنموذج الإيجابي في مجمل التعاملات، والتصرّفات اليومية، مما يجعل من سلوك الوالدين مدرسة صامتة، تغرس القيم في الوجدان؛ لذا أضحى من الضروري أن تشمل الممارسة الراقية في سجاياها وخصائصها التربوية ماهية تقدير الذات، وبناء الثقة بالنفس، وغرس الجرأة في التعبير عن الرأي، وقول الحق، شرط أن يكون ذلك كله في إطار آداب وأسس واضحة، متفق عليها سلفاً؛ حيث تسود لغة الاحترام، والتقدير المتبادل، ويُفتح المجال واسعاً لممارسة النقد البنّاء، الذي يهدف إلى الإصلاح، لا التجريح.


تحث ثقافة الشورى الأسرية على تعميق المسؤولية التضامنية في البناء الأسريّ، ونتيجة لهذا المناخ الصحي، والبيئة التربوية القويمة، التي تم تدشينها، يلزم الجميع من أفراد الأسرة ضرورة الشعور بالمسؤولية الأخلاقية، والواجبات الفردية، والجماعية في إطارها التضامني المتين؛ وذلك من أجل تحقيق مهام مشتركة، ورؤى بعيدة المدى، والوصول إلى أهداف سامية، ترتقي بالكيان الأسري، وتصونه، وفي حقيقتها التزامات، أو أداءات عملية، لا تقبل التراخي، كونها تقوم على روح التعاون البنّاء، المفعم بوشائج المحبة الصادقة، وأواصر الثقة المتبادلة بين الكبير، والصغير، لكنها في الوقت ذاته تتطلب تفعيلاً لآليات التنسيق بصفة مستمرة، ودؤوبة بين الأطراف كافة، دون استثناء؛ لضمان القدرة على تجاوز شتى المشكلات، والتحديات، والصعوبات الطارئة، التي قد تعترض مسيرة الأسرة في رحلتها الحياتية، والهدف الأسمى من هذا التكاتف هو مواجهة تلك العقبات بصلابة؛ ومن ثم العمل على تحويلها إلى فرص حقيقية؛ للنمو، والارتقاء، والتعلم، بما يضمن استدامة الاستقرار النفسي، والاجتماعي لجميع أفرادها.


مظاهر الثقافة الشورية الأسرية تبدو في تلك الإدارة الذكيّة، والواعية لموارد هذا الوطن الصغير؛ حيث تتضافر جهود أفراد الأسرة في نسيج واحد، يسعى إلى تحقيق غاية نبيلة، قوامها غرس القيم الأصيلة، والفضائل الأخلاقية في نفوس الناشئة، مع تدبير الاحتياجات المعيشية الأساسية وفق رؤية ثاقبة، تستند إلى فقه الأولويات، وتعزّز في الوقت ذاته ماهية الإيثار، وتقديم مصلحة المجموع على الرغبات الفردية العابرة، كما يمتدُّ أثر هذا الفكر التشاركي؛ ليشمل التريّث، والتعقل في اتخاذ القرارات المصيرية الحساسة، المشكلة لمستقبل الأفراد، سواءً في المسارات التعليمية، أو طموحات السفر، أو حتى في بناء الشراكات الزوجية الحديثة، وتنظيم كافة الشؤون، التي تمسُّ كيان الأسرة، واستقرارها، مما يفتح آفاقاً واسعة؛ لزيادة معدلات التوافق النفسيّ، والانسجام الأسريّ، وتجسيد معاني السعادة المستدامة، التي تتبدّد معها سحب القلق، وتتلاشى في ظلها كافة صور التوتر، متباينة الأسباب.. ودي ومحبتي لوطني وللجميع.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة