في ظل الاضطرابات والتوترات الجيوسياسية التي يشهدها العالم وخاصة في منطقة الشرق الأوسط بات من الضروري أكثر من أي وقت مضى أن تسرع الدولة خطواتها لتوسيع قنوات التواصل مع أبنائها في الخارج، وأن تكون هناك خطة عاجلة لتحفيزهم على الاستثمار في بلدهم، ففي هذه الظروف التي تشهدها المنطقة والتحديات الاقتصادية التي تواجهها الدولة المصرية يمكن أن تستغل الحكومة الفرصة لاستقطاب المستثمرين المصريين بالخارج جنباً إلى جنب مع جهود الدولة لاستقطاب الاستثمارات الأجنبية المباشرة.
وحرصاً على ذلك تقدمت باقتراح برغبة في مجلس الشيوخ الموقر بشأن تحفيز المصريين في الخارج للاستثمار في القطاع الصناعي وتقديم حوافز وتيسيرات لهم في طرح وتخصيص الأراضي وتراخيص المشروعات الصناعية، حيث يعد المصريون المقيمون والعاملون في الخارج ثروة قومية واقتصادية لمصر، إذ يبلغ عددهم وفقاً للتقديرات ما يقرب من 10 إلى 12 مليون مصري موزعين على مختلف دول العالم، ويمثلون قوة اقتصادية ضخمة غير مستغلة بالشكل الكافي.
وفي ظل توجه الدولة المصرية نحو تعظيم الاستفادة من قدرات المصريين بالخارج، ودمجهم في جهود التنمية الاقتصادية الشاملة، وما يمتلكونه من خبرات دولية ورؤوس أموال ضخمة يمكن توجيهها نحو الاستثمار الإنتاجي، حيث تمثل الصناعة قاطرة التنمية الحقيقية، وأحد أهم محاور تحقيق الاكتفاء الذاتي وزيادة الصادرات وتوفير فرص العمل، فإنه من الضروري العمل على تهيئة بيئة استثمارية جاذبة للمصريين بالخارج، خاصة في القطاع الصناعي، من خلال إزالة المعوقات وتقديم حزمة متكاملة من الحوافز والتيسيرات لجذب المصريين بالخارج لإقامة مشروعات داخل مصر.
واذا نظرنا للأرقام الرسمية، فوفقا لبيانات البنك المركزي المصري، سجلت تحويلات المصريين العاملين بالخارج خلال عام 2025 تدفقات قياسية تعد الأعلى على الإطلاق، حيث ارتفعت بمعدل 40.5% لتصل إلى نحو 41.5 مليار دولار (مقابل نحو 29.6 مليار دولار خلال العام السابق 2024)، كما ارتفعت التحويلات خلال النصف الأول من السنة المالية 2025/2026 (الفترة يوليو/ديسمبر 2025) بمعدل 29.6% لتصل إلى نحو 22.1 مليار دولار (مقابل نحو 17.1 مليار دولار خلال الفترة يوليو/ديسمبر2024)، وارتفعت التحويلات خلال شهر ديسمبر 2025 بمعدل 24.0% لتسجل نحو 4.0 مليار دولار (وهو أعلى مستوى شهري تاريخياً) مقابل نحو 3.2 مليار دولار خلال شهر ديسمبر 2024.
هذه الأرقام كاشفة لقيمة وأهمية أبنائنا في الخارج كثروة قومية لبلدهم، فمع عودة ارتفاع تحويلات المصريين بالخارج باعتبارها أحد أهم مصادر النقد الأجنبي في مصر، رغم ذلك، تشير التقديرات إلى أنه لا تتجاوز نسبة ما يتم توجيهه للاستثمار الإنتاجي (وخاصة الصناعي) 5% من إجمالي هذه التحويلات، بينما يذهب الجزء الأكبر للاستهلاك أو الاستثمار العقاري.
وبالتالي هناك ضرورة للتوسع في الاستثمار الصناعي لتحقيق طفرة حقيقية في القطاع، ويمكن تقديم حوافز وتيسيرات ومزايا لجذب استثمارات المصريين بالخارج في القطاع الصناعي، وهو ما سيساهم في دفع جهود الدولة لتوطين الصناعة وتشجيع الاستثمار، فضلاً عن توفير فرص عمل للشباب، حيث يتميز قطاع الصناعة في مصر عن غيره من القطاعات الاقتصادية الأخرى بارتفاع مساهمته في تحقيق الأهداف العامة للتنمية المستدامة، لما له من دور في تطوير القاعدة الإنتاجية وتنويع مصادر الدخل وخلق فرص عمل مستدامة وخلق قاعدة أساسية للنمو الاقتصادي.
فعلى سبيل المثال، المناطق والمدن الصناعية البالغ عددها 177 منطقة في 26 محافظة وفقًا لقاعدة بيانات الهيئة العامة للتنمية الصناعية، تعد محفز للاستثمار الصناعي، هو ما يمكن الاستفادة منه في تخصيص أراضي ووحدات صناعية داخل المناطق الصناعية للمصريين بالخارج في ظل توجه الدولة المصرية للتوسع في إنشاء المدن والمناطق الصناعية، فرغم التوسع في المناطق الصناعية إلا أن نسبة الإشغال في بعض المناطق لا تزال دون المستوى الأمثل، وهو ما يتيح فرصة لطرحها أمام المصريين بالخارج.
بالتأكيد الدولة بذلت جهوداً حثيثة خلال السنوات الأخيرة لدعم المصريين في الخارج وتعزيز ارتباطهم ببلدهم، وهناك جهود لتعزيز مشاركتهم في التنمية الاقتصادية، إلا أن هناك تحديات واضحة ومعلومة للجميع يجب تداركها ومواجهتها، على رأسها عدم وضع خطط وبرامج واضحة مخصصة لجذب استثمارات المصريين بالخارج في الصناعة، وتعقيد إجراءات تخصيص الأراضي الصناعية والتراخيص بسبب البيروقراطية والروتين والترهل الإداري وتتشابك وتداخل الاختصاصات وتعدد جهات الولاية، وضعف الترويج والتسويق الخارجي للفرص الاستثمارية الصناعية، وعدم إعلانها وتسويقها بين الجاليات المصرية بالخارج وعبر قنوات التواصل معهم، هذا فضلاً على عدم وجود حوافز تنافسية مقارنة بدول أخرى، مما يتسبب في توجيه بعض المستثمرين المصريين في الخارج لاستثماراتهم في دول أخرى.
وفقا لبعض التقديرات غير الرسمية، يبلغ عدد المصريين بالخارج نحو 10–12 مليون مواطن، يمثلون قوة اقتصادية هائلة، والنجاح في جذب ما يوازي 10% فقط من تحويلاتهم للاستثمار الصناعي يعني ضخ ما لا يقل عن 4 مليارات دولار سنوياً للاستثمارات الصناعية، وذلك بالنسبة للتحويلات فقط، فإذا تم النجاح في توفير حوافز وتيسيرات لجذب المستثمرين من المصريين في الخارج ستزيد النسبة المتوقعة من استثمارات المصريين بالخارج في القطاع الصناعي، مع النجاح في تسويق الفرص الاستثمارية المتاحة في مصر .
وزيادة مساهمة المصريين في الخارج في الاستثمارات الصناعية ستساهم في تعزيز ودعم الإنتاج وتعميق التصنيع المحلي، ومنافسة دول أخرى في جذب استثمارات المغتربين عبر حوافز قوية، ودعم خطط الدولة في زيادة الصادرات وتقليل فاتورة الاستيراد، وهناك تجارب ناجحة في دول أخرى يمكن الاستفادة منها، فهناك بعض الدول (مثل الهند والصين والمغرب) تقدم حوافز خاصة لجذب استثمارات مواطنيها بالخارج، ونجحت في جذب مليارات الدولارات سنويًا من خلال برامج مخصصة لذلك، فالهند نجحت في جذب استثمارات ضخمة من مواطنيها بالخارج عبر تخصيص مناطق استثمارية مخصصة لهم، وتقديم حوافز ضريبية وجمركية، وإصدار أدوات مالية مخصصة للمغتربين، والمغرب أطلقت برامج متكاملة لدعم استثمارات الجالية المغربية، تضمنت تسهيلات في تخصيص الأراضي، دعم إداري وفني، حملات ترويجية منظمة بالخارج، والصين اعتمدت بشكل كبير على استثمارات المغتربين في نهضتها الصناعية، من خلال تخصيص مناطق اقتصادية خاصة، وحوافز استثنائية، وسرعة الإجراءات
لذلك أوصينا في الاقتراح برغبة بأن تضع الحكومة خطة لتحفيز المصريين في الخارج للاستثمار فى مصر خاصة في القطاع الصناعي، وبإنشاء نافذة موحدة مخصصة للمصريين بالخارج داخل الهيئة العامة للاستثمار والمناطق الحرة والهيئة العامة للتنمية الصناعية، بالتنسيق بين الهيئتين، تتولى إنهاء وتسهيل الإجراءات الخاصة بتخصيص الأراضي الصناعية وتراخيص المشروعات وتشغيلها لتذليل أي معوقات.
وتؤكد على ضرورة إنشاء منصة رقمية للتسويق والترويج للفرص الاستثمارية والحوافز المقدمة للمصريين بالخارج، وإنهاء جميع الإجراءات لهم من خلال المنصة، وتيسير إجراءات التخصيص والتراخيص عبر المنصة الإلكترونية الموحدة، وتقليل المدد الزمنية، بالإضافة إلى إطلاق خريطة استثمار صناعي مخصصة للمصريين بالخارج توضح الفرص المتاحة، وتخصيص نسبة محددة من الأراضي الصناعية لصالح المصريين بالخارج ضمن الطروحات الجديدة، وضرورة تخصيص أماكن ووحدات لمشروعات المصريين في الخارج داخل المناطق والمدن الصناعية.
كما يجب تقديم حوافز ضريبية وجمركية، سواء إعفاءات ضريبية لفترة محددة، أو تخفيضات دائمة، وتخفيض الرسوم الجمركية على مستلزمات الإنتاج، وإتاحة سداد قيمة الأراضي بنظام التقسيط الميسر وبالعملة الأجنبية أو المحلية، وتوفير دعم فني وتسويقي للمشروعات الصناعية الجديدة، خاصة في التصدير، وكذلك التنسيق مع بين وزارات الاستثمار والصناعة والاتصالات والخارجية وشئون المصريين بالخارج للترويج للفرص الاستثمارية، ومنح حوافز إضافية للمشروعات في المناطق الأكثر احتياجًا للتنمية، وإنشاء وحدة متابعة خاصة داخل وزارة الاستثمار لحل مشكلات المستثمرين من المصريين بالخارج بشكل فوري.
إن تعظيم الاستفادة من قدرات المصريين بالخارج لم يعد خيارًا، بل ضرورة اقتصادية، خاصة في ظل التحديات الاقتصادية العالمية الراهنة، ويتطلب ذلك تبني سياسات واضحة وجذابة، في مقدمتها تخصيص أراضٍ صناعية لهم، وتقديم حوافز وتيسيرات حقيقية تواكب التجارب الدولية الناجحة، مما سيؤدي إلى زيادة مساهمة الصناعة في الناتج المحلي الإجمالي، ورفع تنافسية الاقتصاد المصري، وتعزيز ارتباط المصريين بالخارج بالوطن اقتصادياً واستثماريا، فجذب استثمارات المصريين بالخارج في الصناعة سيوفر العملة الصعبة ويساهم في تعميق التصنيع المحلي، وخلق فرص عمل مستدامة وزيادة الصادرات المصرية.