عندما كانت الحروب وجودية، كان استهداف البنية التحتية لا يتجاوز كونه هدفا تكتيكيا، يقوم في الأساس على تقويض الدعم العسكري واللوجستي للخصم، بما يؤدي إلى إنهاكه وفتح المجال أمام السيطرة الفعلية على الأرض. غير أن هذا التصور يطرح تساؤلا مختلفا في سياق ما أسميناه في مقال سابق بـ”الحروب الوظيفية”، والتي لا تهدف إلى احتلال أو إسقاط أنظمة، بقدر ما تتمحور حول استمرارية الصراع، بحيث يصبح أداة لإدارة الاستقرار في أقاليم جغرافية تتجاوز حدود أطرافه المباشرة.
وفي هذا الإطار، لا يمكن النظر إلى استهداف البنية التحتية بمعزل عن استراتيجية الاغتيالات، والتي وإن لم تكن جديدة في ذاتها، فإنها أصبحت جزءا لا يتجزأ من عملية عسكرية متكاملة، وليست مجرد عمليات منفصلة. وهو ما يخلق ارتباطا عضويا بين إنهاك القيادة من جانب، والتآكل الجغرافي من جانب آخر، بما يعكس تحولا في طبيعة الهدف من الحرب، فلم يعد إسقاط النظام أو انهيار الدولة غاية في حد ذاته، بقدر ما أصبح المقصود خلق واقع تتآكل فيه قدرة الدولة تدريجيا، سواء عبر كسر الترابط الجغرافي داخلها، أو من خلال استهداف عناصرها القيادية المؤثرة في عملية صنع القرار.
والمفارقة في هذا الإطار، تتمثل في تكرار أنماط متقاربة من العمليات في ثلاث حروب تبدو متزامنة، بدأت في الحرب الروسية الأوكرانية، ثم ظهرت بوضوح أكبر في حرب غزة، وتمتد ملامحها إلى المواجهة الدائرة حاليا مع إيران، بما يعكس أننا أمام اتجاه يتشكل في إدارة الصراع على المستوى الدولي، يقوم على إنهاك الدولة وتقويض قدرتها على الفعل، دون الوصول إلى حد إسقاطها الكامل.
وفي هذا السياق، لا يكون الهدف هو السيطرة المباشرة أو الحسم العسكري، بقدر ما يتمثل في خلق واقع تصبح فيه الدولة أقل قدرة على اتخاذ القرار بشكل مستقل، بحيث تتأثر خياراتها، سواء عبر الاعتماد المتزايد على داعميها خلال الحرب، أو عبر الانكشاف أمام ضغوط خصومها حال استمرار الاستنزاف.
فلو نظرنا إلى استهداف الجسور، في إطار الحرب الأوكرانية، يبدو الهدف واضحا في تحقيق الفصل الجغرافي، كما في استهداف جسر القرم، باعتباره عقدة رئيسية في الربط بين الأراضي الروسية وشبه الجزيرة. غير أن هذا النمط لا يقتصر على الحالة الأوكرانية، إذ يتجلى بصورة أكثر تركيبا في غزة، حيث اتجهت إسرائيل إلى تكريس الفصل بين القطاع والضفة الغربية، بما يعكس توظيف البعد الجغرافي كأداة لتقويض أي إمكانية لبناء كيان سياسي متماسك مستقبلا.
أما في الحالة الإيرانية، ورغم أن استهداف الجسور لا يظهر بنفس الكثافة التي شهدناها في الحرب الأوكرانية، فإن الإشارات إلى استهداف نقاط بعينها داخل البنية الداخلية، بما في ذلك محيط كرج، تطرح دلالة مختلفة تتجاوز البعد التكتيكي، نحو محاولة إرباك الترابط الجغرافي داخل الدولة.
ولا يمكن فصل هذا النمط عن احتمالات أوسع تتعلق بخلق واقع جغرافي قابل للعزل أو الاحتواء، بما يفتح المجال، ليس بالضرورة لتدخل بري مباشر، وإنما لفرض معادلات ميدانية تجعل هذا الخيار قائما أو قابلا للاستخدام عند الحاجة، وهو ما يعكس انتقال استهداف البنية التحتية من كونه وسيلة دعم للعمليات العسكرية، إلى أداة لإعادة تشكيل الجغرافيا السياسية داخل الدولة نفسها.
ولعل الهدف الرئيسي وراء عملية الفصل الجغرافي، باعتباره السمة الأكثر وضوحا في حروب المرحلة الراهنة، يتمثل في فرض واقع جديد تتآكل فيه الدولة تدريجيا، جغرافيا وقياديا، دون احتلال أو إسقاط مباشر، بما يعفي الخصوم من تكلفة إعادة البناء، ويحول دون نشوء فراغ كامل قد يخرج عن السيطرة.
وفي هذا السياق، لا يكون المطلوب إنهاء الدولة، بقدر ما يكون إعادة تشكيلها في صورة أقل تماسكا، وأقل استقلالا في القرار، بحيث يصبح المجال السيادي نفسه قابلا لإعادة التوجيه، لا عبر السيطرة المباشرة، وإنما عبر الضغط المستمر الذي يفرض عليها مسارات بعينها داخل بنية دولية تتشكل على نحو شبكي.
الحالة سالفة الذكر تفسر التماهي الجزئي بين أطراف الصراع، في إطالة أمده، حيث لا يسعى أي منها إلى حسم نهائي، بقدر ما يسعى إلى إدارة حالة من التوازن المختل، تضمن استمرار الضغط دون الانزلاق إلى انهيار شامل، بما يسمح بإعادة تشكيل البيئة الإقليمية وفق معادلات جديدة، فالمعركة لم تعد سيطرة مباشرة على الاخر، وانما في القدرة على توجيه مسارها من قبل الأطراف المتصارعة عبر التحكم ليس فقط في قرارات الخصوم وإنما أيضا الدول الأخرى الواقعة داخل نطاقها حتى وان لم تكن أطرافا بها.
وهنا يمكننا القول بأنه إذا كانت الجغرافيا في الحروب التقليدية تمثل نطاقا تسعى الدول إلى السيطرة عليه أو الدفاع عنه، فإنها في الحروب الراهنة لم تعد مجرد مسرح للعمليات، بقدر ما أصبحت هدفا لإعادة تشكيل القرار، فالفصل الجغرافي لم يعد إجراء تكتيكيا مؤقتا، بل أداة لإعادة رسم حدود التماسك داخل الدولة، بما يخلق كيانا أقل ترابطا، وأكثر قابلية لإعادة التعريف وفق معادلات الصراع المستمر، لتتحول الجغرافيا من إطار جامع للدولة إلى ساحة لإعادة تركيبها من الداخل.