حنان يوسف

الاستراتيجية المتكاملة لصورة مصر

الثلاثاء، 07 أبريل 2026 04:33 ص


"صورة مصر.. أمن قومي" تعتبر هذه العبارة الآن في أدق توقيت لها في ظل ما يشهده العالم من حولنا من ارتباك وصراعات من جهة، وما   تشهده الدولة المصرية الآن من التقدم في كافة المجالات في جهة أخرى، وما بين ليلة وضحاها نجد بناء جديدا في مصر وحركة التعمير والتنمية تنطلق في كل مكان علي أرض مصر، هذا بجانب العديد من المبادرات التنموية الفاعلة التي تخصص لفئات مختلفة في الوطن وفي مقدمتها الشباب والمرأة ومحدودي الدخل وغيرهم.

كل ذلك يتمازج في انسيابية تاريخية تلقائية مع مصر الحضارة والتاريخ والهوية الشعبية التي تنطق بها كل بقعة على أرض الوطن.
هذا الموزاييك الفريد من نوعه يحتاج الآن إلى إعادة رسم صورته وتصديره للخارج بطريقة تليق بطموحات القيادة والحكومة من جهة، وآمال المواطن المصري المهموم بوطنه والغيور عليه من جهة أخرى.


فمن هي مصر تلك التي نريد أن نصدرها  للعالم.. هل هي مصر اللامعة التي نراها ناجحة ومتحققة وغنية.. أم مصر القاتمة التي نراها في بعض الخطابات الإعلامية في صور انتقائية.. فقيرة وحزينة وعنيفة؟!


الحقيقة.. إننا في حاجة إلى إعادة النظر لما يسمي مفهوم الدبلوماسية الفكرية والإعلامية والثقافية والشعبية في وضع استراتيجية لتصدير الصورة الحقيقة المصرية، الآن بما يخدم أهداف الدولة المصرية حاليا ويقدم إنجازاتها للعالم.


ومخطئ من يعتقد أن الحديث عن صورة مصر فى الخارج هو نوع من الرفاهية، وأنها تقل أهمية فى سلم ترتيب الأولويات الوطنية، بجانب مكافحة الفقر والبطالة والعشوائيات، حيث تشير الدراسات والمتغيرات المحيطة الى أهمية الاتصال والإعلام الاستراتيجي فى رسم ملامح الصورة الذهنية للشعوب والدول، فى الوقت الذى بات فيه الإعلام والسياسة وجهان لعملة واحدة، وأن هذه الصورة المقدمة للآخر عن الدول والشعوب تؤثر تأثيرا كبيرا فى معطيات الأمن القومى الإقليمى والدولى بل وكثيرا ما تتخذ كذريعة للتدخل الجائر فى شئون الدول الداخلية.
وكلنا ننزعج من الصورة المغلوطة المجتزأة السلبية التى تقدم عن مصر فى الخارج، مما يستوجب ضرورة العمل على تقديم الصورة الصحيحة لمصر فى الخارج، وأهمية إنتاج خطاب اتصالي وإعلامى مصرى وطنى يستطيع مخاطبة الآخر، وتقديم الصورة الصحيحة للإنجاز والنموذج المصري.


ومؤخرا تم إطلاق نموذج لاستراتيجية متكاملة لتصحيح صورة مصر قدمتها المنظمة العربية للحوار والتعاون الدولي هي إحدي منظمات المجتمع المدني التابعة لوزارة التضامن بمجلس الوزراء المصري والتي تأسست منذ أكثر من  25 عاما، وتعمل بنشاط في مصر وخارجها بالتعاون مع عدد من الجهات الرسمية وغير الرسمية.. وتهتم بتقديم صورة مصر الصحيحة خارجيا بالطريقة الصحيحة، بالإضافة إلى الارتقاء بثقافة الحوار لمحاولة جعل هذا الأداء يؤدى إلى تقليل نسبة الارتباك وتصدير صورة صحيحة  عن الإنجاز والواقع المصري، ويساعد فى ترتيب أولويات المواطن المصرى بطريقة تسمح بالاصطفاف حول مشروع بناء الدولة. بالإضافة إلى نقل صورة مصرية إيجابية فى الخارج، بدلا من الانجراف فى تقديم قضايا سطحية وهامشية بعيدا عن إبراز عناصر النموذج المصرى المتكامل فى دوائره المتعددة عربيا وافريقيا ودوليا.


ومن المميز  لهذه الاستراتيجية أن لها توجها متكاملا فى تناوله لقضايا ومكونات الهوية الوطنية المصرية أو دعم مشروع الدولة المصرية. والمنطلق الوطني هنا هو أهمية تصحيح صورة مصر الخارجية والرد على كل الادعاءات الباطلة التى تلحق بمصر فى الخارج وتعزيز دور الاتصال المجتمعى والإعلام من أجل إحياء التأثير المصرى فى الخارج فى أفضل صورة من خلال استخدام أدوات القوة الناعمة لمصر: الإعلام- الثقافة - التعليم – المصريين بالخارج- الشباب – الاقتصاد.. وغيرها من بقية أدوات القوة الناعمة المصرية وتسويق الصورة الذهنية السياسية المصرية الأفضل أمام العالم.


وأهمية صناعة الصورة الذهنية المثلى لمصر فى الخارج في الجمهورية الجديدة وتعتمد على نقاط قوة تتمثل فى توافر اهتمام سياسى مصرى الآن لتدارك القصور فى مجال الإعلام الدولى واستقرار الوضع السياسى المصرى، ووجود نجاحات محققة على الساحتين الداخلية والخارجية مع توافر بنيات إعلامية وثقافية وهيئات مصرية يمكن تفعيلها لخدمة مقاصد استراتيجية، ولكن تواجهها نقاط ضعف الاهتمام الإعلامى بصورة مصر بالخارج، وغياب التنسيق بين مكونات المجتمع ووسائل الإعلام فى مجال صورة مصر وضعف التأهيل الإعلامى فى مجال الصورة الذهنية، وأمام تحديات كبيرة أهمها أوضاع السياسة الدولية وسيطرتها على صناعة الإعلام الدولى.


وتتولد فرص حقيقية فى إنجاح تقديم صورة إعلامية أفضل لمصر بالخارج من خلال تحركات فى مجال تصحيح صورة مصر وتنامى الدعوات فى الدوائر المؤسسية، إلى الاهتمام بالإعلام الدولى والتنمية المجتمعية، وظهور جيل جديد من الإعلاميين يتقن استعمال التكنولوجيا الحديثة، وظهور منظمات مدنية قوية تعمل كجبهة مدنية مستقلة لها مصداقيتها العربية والدولية وتنطلق من مظلة وأرضية وطنية.
وهي مسئولية مشتركة ليست مسئولية الجماعة الإعلامية أو النخب المدنية بمفردها، وإنما مسئولية مشتركة للجميع يتقدمهم صانع القرار السياسى فى الدولة من أجل رسم ملامح هذه الهوية الفسيفسائية المصرية البديعة وتصديرها للخارج إعلاميا بشكل علمى ومدروس ومعلن للجميع قابل للتطبيق كل فى مجاله.
وتعتمد هذه الاستراتيجية على تقديم أداء مدني ممتزج بالتسويق الإعلامي بما يخدم مصالح مصر، ويدعم مشاريعها وبرامجها التنموية، مع إتاحة البيئة الملائمة والمحفزة لوسائل الإعلام المصرية كي تضطلع بمهامها التنموية في خدمة قضايا الوطن، وتستند على مجموعة من القيم المقدرة في تحقيق اهدافها ومنها: الشفافية والدقة وتقديم المعلومات والأفكار الدقيقة والصحيحة، والحرية والمسؤولية والحق في نشر الآراء والمعلومات في إطار المسؤولية مع مراعاة المهنية والأخلاق، واستخدام الأسس المهنية والمهارات الفنية في إنجاز العمل الإعلامي مع مراعاة القواعد الأخلاقية وآداب المهنة في ظل القيم والمفاهيم والثقافة العربيةوالجودة في الالتزام بالمعايير المهنية والتحسين المستمر للأداء الإعلامي، والموضوعية والمصداقية، وتحقيق التوازن في المعالجة الإعلامية وتجنب التحيز والمحاباة، وكل ذلك يعزز من خلال التعاون والتفاعل والمشاركة في أداء العمل الإعلامي بمستوى عالٍ من التنسيق والتكامل والشراكة مع الشركاء الاجتماعيين والمؤسسات الإعلامية الوطنية والاقليمية والدولية من أجل تقديم صورة مصر الصحيحة أمام العالم.
ومجلس أمناء المبادرة هم
نخبة مرموقة من كبار السفراء والمسئولين والشخصيات العامة في مصر والعالم العربي وخارجه.
وقد تقدمت المنظمة إلى فخامة رئيس الجمهورية السيد عبد الفتاح السيسي بمقترح مشروع الاستراتيجية لصورة مصر منذ سنوات من أجل تقديم صورة مصر الصحيحة أمام العالم، وقد تشرفت المنظمة بالاستجابة الكريمة لرئاسة الجمهورية بالاهتمام بمشروع هذه الاستراتيجية وعقدت عدة لقاءات  حول هذه الاستراتيجية من أجل صياغة استراتيجية متكاملة في الاتصال والإعلام لتصحيح صورة مصر الخارجية، وإحياء التأثير المصري دوليا من خلال قطاعات ثلاثة:
قطاع الدبلوماسية الشعبية
قطاع الاكاديميات والندوات والمؤتمرات.


قطاع الإنتاج الإعلامي والثقافي والفني (التليفزيون- الصحافة- الاذاعة- الإعلام الجديد) بالإضافة إلى البرامج الثقافية والفنية التطبيقية.
وقامت المنظمة بالتحرك علي مستويين متوازيين: أولا: عدد من الأنشطة المكثفة في الفترة الاخيرة في ظل بعض الاحداث الجارية التي تسيء للموقف المصري وصورة مصر، وذلك في ضوء تطبيق استراتيجية المنظمة في استخدام الاتصال المجتمعي والإعلام لعرض صورة مصر الحقيقية والإنجازات الكبيرة التي تقوم بها القيادة السياسية من أجل النهوض بالوطن والحفاظ علي وحدة وسلامة أراضيه.
وتم إطلاق الاستراتيجية في مؤتمر  كبير تحت رعاية وزارة الثقافة المصرية بعنوان “استراتيجية صورة مصر فى الخارج”.. وذلك بمقر المجلس الأعلى للثقافة بهدف عرض الاستراتيجية وبحث سبل المشاركة فى تنفيذ برامج واّليات الاستراتيجية المختلفة.
وحظيت بدعم من العديد من الجهات الشريكة وفي مقدمتها وزارة الخارجية، الهيئة العامة للاستعلامات، وزارة الثقافة المصرية، وزارة التعليم العالي ـ اتحاد الاذاعة والتليفزيون لجنة العلاقات الخارجية بمجلس النواب، المجلس الأعلى للشئون الإسلامية بالأزهر، الهيئة القبطية الإنجلية، الشراكة الأورومتوسطية، اتحاد المصريين بالخارج، وزارة السياحة، وزرارة الشباب والرياضة، مركز دعم واتخاذ القرار بمجلس الوزراء، بالإضافة إلى عدد كبير من الشخصيات العامة.
- وتستهدف الاستراتيجية تصحيح صورة مصر داخليا وخارجيا والرد على الافتراءات والأكاذيب التي تروج لها بعض الأبواق الإعلامية المغرضة من خلال عدد من البرامج. والمشروعات في قطاعات مختلفة، وتسعى إلى تقديم صورة إيجابية لمصر واستثمار مفردات القوى الناعمة المصرية من إعلام وثقافة ومفكرين واقتصاديين، من أجل نقل صورة إيجابية مشرفة لمصر في الخارج، والارتقاء بمستوى الأداء الإعلامي في الداخل، وكذلك تحقيق التكامل بين دوائر الحوار الثلاثة (الحوار الداخلي المصري- العربي والاقليمي والدولي) لتصدير صورة مصرية مشرفة.
مع دعم عدد من مبادرات شباب اعضاء المنظمة المشاركة في هذه المبادرة على طريقتهم الخاصة، لمخاطبة الفئات الشبابية في حملات إلكترونية علي شبكات التواصل الاجتماعى كان أبرزها حملة هاشتاج "خليها تحلو" وعرض مجموعة من الفيديوهات لترسيخ الأفكار الاستراتيجية مثل فيديو "هي دي مصر"، و"أنا سفير " باللغتين العربية والإنجليزية على جميع مواقع التواصل الاجتماعي لنشر الرسالة بين اكبر عدد من الجمهور المستهدف.


وتحددت  الأهداف الرئيسية في  تقديم صورة إيجابية للدولة من أجل تحقيق الأهداف الاستراتيجية العليا للوطن واستثمار مفردات القوى الناعمة المصرية، من إعلام وثقافة ومفكرين واقتصادين، من أجل نقل صورة إيجابية مشرفة لمصر في الخارج والارتقاء بمستوى الأداء الإعلامي في الداخل، والعمل على التشبيك داخليا وخارجيا بين قطاعات الدولة المختلفة الحكومية وغير الحكومية من أجل تحقيق اهداف الدولة، ونقل صورة إيجابية عنها بالخارج وتطوير أداء الإعلام بالداخل، يساندها في ذلك الخبرة الوطنية والإقليمية والدولية التي تتميز بها، وقاعدة العلاقات الواسعة التي تمتلكها مع شركاء لها في معظم انحاء العالم و تحقيق التكامل بين دوائر الحوار الثلاثة (الحوار الداخلي المصري- العربي والاقليمي والدولي) من أجل تصدير صورة مصرية مشرفة امام العالم الخارجي والالتزام بنموذج الهوية المصرية في وقت أحوج ما تكون فيه البلاد إلى الاصطفاف حول المصلحة الوطنية والحفاظ على الأمن القومي للبلاد، وتعتمد الاستراتيجية في تحقيق أهدافها الرئيسية على عدد من البرامج والآليات سواء من خلال الإعلام الجماهيري وفي مقدمتها إنتاج برامج إعلامية تليفزيونية وصحفية وإذاعية تستهدف تعزيز الهوية الوطنية والاصطفاف الوطني من جهة وتقدم النماذج الإيجابية المشرفة للمشروع القومي المصري من جهة أخرى، وكذلك من خلال الاتصال المباشر والمجتمعي من خلال عدد من برامج الدبلوماسية الشعبية، وتبادل الوفود الإعلامية والثقافية وغيرها من البرامج التفصيلية، وفقا لخطة عمل الاستراتيجية، بالتعاون مع الجهات المشاركة سواء حكومية أو غير حكومية.


إذن الدعوة الآن واجبة باعتبار تصحيح وتقديم صورة مصر  الحقيقية هو أمن قومي، وهو فرض عين على جميع المصريين وحتى من يحبها من غير المصريين، إيمانا ً بدور مصر التاريخي والمعاصر وما قدمته  في الحضارة  الإنسانية  من إنجازات وإسهامات.


وهي رسالة مفتوحة إلى جميع الجهات ذات الصلة للتعاون فيما بينها، نحو تفعيل هذه الاستراتيجية والعمل عليها بشكل منهجي واضح وعلمي، من أجل مصر التي نحبها جميعا، ولكن بعقلانية ومنهجية من أجل تحقيق الأهداف الإستراتيجية لصالح هذا الوطن الغالي.


إننا فى حاجة ماسة إلى إبراز المشروع المصرى الحالى فى وسائل الإعلام المصرية والعربية والدولية بطريقة مهنية وموضوعية، تظهر نموذج الجمهورية الجديدة الناجح المصرى، وهو ما قد يتطلب معه توظيف جميع آليات زيادة الانتماء للوطن والعمل على النهوض به، وإبراز القواسم المشتركة التى من شأنها إحداث حراك مجتمعى متجانس مكمل لدعم ترسيخ صورة ذهنية إيجابية فى تقديم صورة مصر  إعلاميا أمام العالم.. مصر الجديدة الواعية والتي تدرك تحدياتها ولكنها تبني إنجازاتها بثقة واقتدار.. تستمد من عبق تاريخها رسوخها ومن حيوية شبابها انطلاقها نحو المستقبل وبناء الإنسان.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة