خالد دومة يكتب: حديث امرأة أمام قبر زوجها

الإثنين، 06 أبريل 2026 12:29 ص
خالد دومة يكتب: حديث امرأة أمام قبر زوجها خالد دومة

ها أنا أقف أمامك عاجزة، الآن أرفع ذلك القناع، الذي  أرتديه أمام الناس، قناع القسوة والجبروت، انتزعت أنوثتي، التي لا أظهرها إلا لك فقط، هاتان العينان التي تذرف الدموع، هذا القلب الذي يئن أمامك، أنفاسي المحترقة، لا يراها أحد غيرك، تيبس وجهي من قلة البسمات، دفنت أنوثتي في مغارة، في بئر عميق، فإذا ما جاء يوم زياتك استدعيتها، كي ترافقني إليك، أبث لك ما أعجز أن أظهره لأي أحد، حتى أبي لا أستطيع، ولا أخي، ولا ولدينا الصغار في السن، لا أستطيع، أعلم أني أثقل عليك، ولكن لا مفر من أن أشكو ضعفي المتواري خلف صخور وجهي المتجمدة، إنك لا تعلم كيف كانت الحياة بعدك، تموت في الخامسة والعشرين، تتركني أبنة العشرين ربيعا، وولدين طفلين صغيرين، أحدهما في الرابعة، والثانية ابنة عام، حين كنت بيننا لم يبدو العالم بشعا، بل كان عالما جميلا بك، لم أكن أدرك ساعتها أن الرجال حوائط، سدود منيعة تحمينا من وحوش ضارية، لم أكن أرى العالم إلا فردوس حين كنت تدخل علينا بالفاكهة حينا، بالحلوى حينا، كنت تهل تستقبلنا الحياة فاتحة ذراعيها بالحب، نضحك نتسامر وحين يأوي الصغار للفراش، كانت كلماتك البسيطة قصائد تخرج من فمك، كانت ابتسامتك ساحرة، نظرتك لي في نهاية المساء، ذراعاك التي تحيط بي تملأني طمأنينة، ضمتك حين تعصرني بين يديك، كان يتركنا الحب حين تخرج في الصباح، أستعجل الليل، أتمنى أن يكون ليلا سرمديا، أكره طلوع الشمس، لأنك تذهب للعمل، لكني كنت أمني نفسي، حين كنت تعود يتحول العالم أنسى كل شيء إلا وجودك أمامي يذهلني عن العالم، كنت أحبك لأن ما قلبك يفيض على الأخرين، وأن قلبك ليس لي وحدي، وإنما لكل المحيطين بك، كل له نصيب منك، يحتل بعص فؤادك، كنت راضية بنصيبي منك، ذلك لأنه جزء صغير هو كثير منك، فقلبك كان عالما كبير، لا يجور ولا يحيد عن العدل، لأمك نصيب الاسد، ولم يؤلمني ذلك، فقد كانت مثلك يفيض منها الحب، لأبيك لأخوتك الذكور والإناث لجيراننا لأصدقائك، كنت أنت دائما في المنتصف في مركز الدائرة، والكل يطوف حولك، ينجذب إليك، وفي مساء كئيب انتظرتك ككل يوم، كي تهل علينا، تغسل هموم النهار بيديك القويتين، لكنك لم تجي، الثواني أحمال، والوقت سكين يطعن في قلبي هواجس الشر والموت تغزوني وتملأ قلبي لماذا تأخر؟ إنها ليست عادته، أن يهرول نحونا الليل حبل ممدود لا نهاية له لأول مرة، أتمنى أن يزول أن ينقشع عن عيوننا أن يتوارى أن يأتي نور الصباح، قلق يفترس الشعور وينتهب الخاطر ولا أدري ماذا أفعل أخبر أبي إنك لم تأتي يصبرني قليلا أمي جالسة في صمت رهيب عينيها تجول بين سماء الغرفة والأرض، قلبها يستشعر الخطر المحدق بنا، إنها أمه، ولعل قلبها أخبرها بشيء لا نعلمه نحن، أحدثها فلا تجيب وأحينا تلقي بكلمة الصبر دون غيرها أنكفأ على وجهي المنهك في الصباح الباكر، يأتي الخبر الفزع صوت ينادي أبي يهمس في أذنيه يمتقع وجهه، يتقطب جبينه، شفتيه تتهدل، عينيه حائرتان لا تستقر على شيء أمامها تهربان من المواجهة، ولكنه يحاول أن يبدو على ثبات، كيف يخبر زوجته، التي لم تتجاوز العشرين، أمه التي مات لها رجلا قبله في حادث أخر، كيف تتقبل الطعنة، قد تنفذ إلى القلب فتنهيه  ضاعت الكلمات من فيه، يبحث عنها فلا يجدها، ظل نصف ساعة واقف أمام البيت وحده، لا يدري كيف يخبرنا الخبر ؟....كان يوما مهولا في حياتي، كان حدا فاصلا بين حياة وحياة، كأني كنت عمياء إلى ذلك اليوم اختلفت الوجود من حولي انعكست دائرة الحياة الشمس لم تكن هي التي ألفتها في وجودك الهواء أعتل، أمتلأ برائحة الفحش، العيون التي تستحي لم تعد كادت تفترسني شعرت للمرة الأولى بأني عارية، لا ثياب يستر عري، ومهما أرتديت من ثياب، كان شعور قوي ينتابني بأني عارية نظرات الناس أراها للمرة الأولى، تخترق لحمي تحاول نهشي أصدها بطفولتي بحيائي الأنثوي، لكنها لا تكتفي لا ترتدع عن غيها فبعد أن صعدت روحك للسماء، أشهر قليلة وقذف أبوك بحاجيات القليلة أمام المنزل، أرادني أن أرحل، أن أترك طفلي لأبدأ حياة جديدة، زوج جديد، وبيت جديد وعائلة أخرى، كانت عيناي لا تكف عن البكاء، كيف لي أن أضع رأسي على ذراع غير ذراعك، أتكأ على صدر غير صدرك، أفتح عيني في الصباح لأراك في فراشي تتمدد بجانبي، أنظر إليك أتملى منك للحظات، ثم أقوم لأحضر لك الإفطار، قبل ذهابك للعمل، ما يقولون مستحيل، غير ممكن، لن أكون لغيرك، حتى ولو كنت في عالم غير عالمي سوف أنتظر إلى أن نلتقي في عالمك، كانت حرب شديدة التي خضتها أمام الجميع، لن أتزوج، ومن للصغار أطفالك الذين ما يزالان في ميعة الطفولة الأولى، كنت آوي إلى فراشي في نهاية المساء بعد جدالا عنيف بيني وبين أبي، وبيني وبين أمي، أخوتي، أصدقاء الطفولة، أبناء العمومة، الجيران، الكل يريدني أن أتزوج في العشرين كنت، وغير لم يبدأ الحياة بعد، فكيف أطلب منهم تركي لأني شعرت بأني أخذت نصيبي من الزواج، كل يوم يتقدم رجل وأنا لا أريد، أبي يرفع صوته علي، يخيفني، أمي تصرخ في وجهي، ولكنني قررت ألا أكون لغيرك، وما دخلهم هم في أمري، كانت الحياة قاسية بدونك، والناس في قرنا لا يعرفون إلا الوقار المزيف، الأدب المزيف، الصلاة المزيفة أمام الحشود، رأيت المستحيل أمام عيني، شيخ رجل في الأربعين، فتا صغير، ذباب يطن فوق رأسي، وكلمات فاحشة، أذني التي كانت لا تعرف إلا الكلمات، أصبحت تتلوث من غبار الأفواه كل يوم، كانوا أبرياء جميعا حين كنت بيننا، فما الذي حدث؟ ما الذي تغير في الحياة؟ الأيدي التي لم تكن تعرف إلا طريق الحلال، تصير تتحول عرفت أنني لم أكن أعرف الحياة بعد، حتى أنا بعد موتك صرت شيء أخرى، كي أستطيع أن أبقى، تجهمت كما تجهمت لي الحياة، لساني أصبح حية تبخ السم في وجوه الأخرين، علا صوتي، وتسلحت بالحديد والنار، كي أذود عن نفسي، بعد أن أدركت أن العالم، الذي أعيش فيه هو قبيح، وقد خلع النقاب هو الأخر، لأراه ببشاعته الحقيقة، لم أعد آمن لأحد، أضحك في وجه أحد، بعد أن أتطلعت على النفوس لم تعد تغرني السبحة في أيدي المسبحين، ولا نقاب الأخوات، ولا صوت الشيخ، يعلو على المنابر، يحذر وينذر ويتوعد الخطاة، لأني رأيته أولى الخُطاة، يتحرش بالكلمات في غياب الرقيب بالنظرة الفاجرة، بادعاء الطهارة العابرة ..أنا الأن في الثلاثين، وقد أنهكتني الحياة، وأشعر بأني عجوز شمطاء، أثقلتها الأيام بهموم ضخمة غير أني على العهد، الذي أبرمته على نفسي، العهد الذي قلته لك في المرة الأولى، التي زرتك فيها بعد موتك لن أكون إلا لك وحدك، سامحني إن كنت أثقلت عليك هذه المرة بشكواي، فأنا كنت في حاجة ملحة لأتكلم، وأهمس لك لأني لم أحب غيرك أنت.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة